×

«أنا كويس».. هل نحن فعلًا بخير؟

احدث الاخبار

«أنا كويس».. هل نحن فعلًا بخير؟

1000912443-682x1024 «أنا كويس».. هل نحن فعلًا بخير؟

بقلم
أستاذة مريم حشمت نصيف
أخصائي إرشاد نفسي
عضو مبادرة 100 مليون صحة نفسية

عن إخفاء المشاعر والتظاهر بالقوة

أحيانًا لا يكون قول «أنا بخير» كذبًا، لكنه لا يكون الحقيقة كاملة أيضًا.

كم مرة سألنا أحدهم: «إنت عامل إيه؟» فأجبنا تلقائيًا: «أنا كويس»؟

كلمتان تبدوان بسيطتين، لكنهما في أحيان كثيرة تحملان وراءهما الكثير مما لا نستطيع قوله.

قد نقول «أنا كويس» لأننا لا نريد أن نشرح ما بداخلنا، أو لأننا لا نعرف كيف نصف مشاعرنا، أو لأننا نخشى أن يرانا الآخرون ضعفاء. وأحيانًا نقولها لأن الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف؛ هناك عمل ينتظر، ومسؤوليات يجب أن نؤديها، وأشخاص يحتاجون إلينا.

فنستمر.

نضحك، نتحدث، نذهب إلى أعمالنا، نعتني بمن حولنا، ونبدو أمام الجميع كما لو أن شيئًا لم يحدث.

لكن هل يعني ذلك أننا بخير فعلًا؟

ليس بالضرورة.

ليس كل من قال «أنا بخير» قد تجاوز ألمه… أحيانًا نحن فقط تعلمنا كيف نحمل الألم ونواصل الطريق.

القوة ليست أن تخفي ألمك

هناك اعتقاد شائع بأن الشخص القوي هو الذي لا يبكي، ولا يشتكي، ولا يسمح لأحد بأن يرى لحظات ضعفه.

لكن من منظور نفسي، القوة لا تعني غياب الألم، وإنما القدرة على التعامل معه بطريقة صحية.

أن تعترف بأنك متعب لا يجعلك ضعيفًا.

وأن تقول «أنا حزين» لا يعني أنك انهزمت.

وأن تطلب المساعدة عندما تحتاج إليها ليس عجزًا، بل نوع من الوعي بالنفس.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التماسك إلى محاولة مستمرة لإنكار المشاعر.

فالمشاعر التي لا نعطيها مساحة للتعبير لا تختفي بالضرورة؛ قد تظهر في صورة عصبية، أو انسحاب من الآخرين، أو فقدان الشغف، أو اضطرابات في النوم، أو شعور دائم بالإرهاق.

لماذا نخفي مشاعرنا؟

الأسباب تختلف من شخص إلى آخر.

هناك من تربى على فكرة أن البكاء ضعف، وأن الشكوى غير مقبولة، وأن عليه دائمًا أن يكون قويًا.

وهناك من يخشى أن يكون عبئًا على الآخرين.

وهناك من اعتاد أن يكون هو الشخص الذي يسند الجميع، حتى أصبح من الصعب عليه أن يسمح لنفسه بأن يحتاج إلى من يسنده.

وأحيانًا يكون السبب أعمق من ذلك؛ فقد لا نمتلك الكلمات التي تصف ما نشعر به.

نعرف أننا لسنا بخير، لكننا لا نستطيع تحديد هل نحن حزينون، أم غاضبون، أم خائفون، أم فقط مرهقون من كل شيء.

وهنا يصبح الصمت أسهل من الكلام.

بعد الفقد… نتعلم كيف نعيش بطريقة مختلفة

الفقد من أكثر التجارب الإنسانية إيلامًا.

وعندما نفقد شخصًا عزيزًا، لا نفقد وجوده فقط، بل تتغير تفاصيل كثيرة في حياتنا: عادات، أماكن، ذكريات، خطط، وحتى الصورة التي كنا نرى بها المستقبل.

وقد يظن المحيطون بنا أننا تجاوزنا الأمر لأننا عدنا إلى حياتنا الطبيعية.

لكن الحزن لا يسير دائمًا في خط مستقيم.

قد تمر أيام نشعر فيها أننا أفضل، ثم تأتي لحظة صغيرة، أغنية، صورة، مكان، أو ذكرى، فتعود المشاعر من جديد.

وهذا لا يعني أننا عدنا إلى نقطة الصفر.

إنه يعني فقط أن الفقد ترك أثرًا، وأننا نتعلم تدريجيًا كيف نعيش مع هذا الأثر.

التعافي لا يعني أن ننسى من فقدنا، ولا يعني أن نتوقف عن الحزن عليه؛ أحيانًا يعني أن نتعلم كيف نحمل الحب والذكرى والألم، ونواصل حياتنا في الوقت نفسه.

لا بأس أن تقول: «أنا مش كويس»

ربما نحتاج أحيانًا إلى استبدال الإجابة التلقائية «أنا كويس» بجملة أكثر صدقًا:

«أنا متعب شوية.»

«أنا محتاج أتكلم.»

«مش قادر أكون قوي النهارده.»

«أنا بحاول.»

هذه الجمل لا تقلل منا.

على العكس، هي تعني أننا أصبحنا أكثر وعيًا بما يحدث داخلنا.

وليس مطلوبًا أن نشرح كل شيء لكل شخص.

لكن من المهم أن يكون في حياتنا شخص واحد على الأقل نستطيع أن نكون أمامه كما نحن، دون الحاجة إلى ارتداء قناع القوة.

متى نحتاج إلى مساعدة؟

الحزن والضغط النفسي جزء من الحياة، لكن عندما تستمر المعاناة بشكل يؤثر بوضوح في الحياة اليومية، أو العلاقات، أو النوم، أو القدرة على العمل والقيام بالمسؤوليات، فقد يكون من المفيد طلب الدعم من متخصص في الصحة النفسية.

طلب المساعدة لا يعني أن الإنسان «مريض» أو «ضعيف».

أحيانًا نحن فقط نحتاج إلى شخص مدرّب يساعدنا على فهم ما نشعر به، وترتيب أفكارنا، واكتشاف طرق أكثر صحة للتعامل مع الألم.

وفي النهاية…

ربما لسنا بحاجة دائمًا إلى أن نسأل الآخرين: «هل أنت بخير؟»

ربما نحتاج أن نسأل بطريقة مختلفة:

«إنت عامل إيه بجد؟»

وأن نمنح الشخص الذي أمامنا مساحة حقيقية للإجابة.

لأن خلف كلمة «أنا كويس» قد يكون هناك شخص يحاول أن يستعيد توازنه، أو أم تخفي تعبها حتى لا تقلق أبناءها، أو أب يحمل مسؤولياته رغم ألمه، أو إنسان فقد شخصًا عزيزًا ويحاول أن يتعلم كيف تستمر الحياة من بعده.

فلا نحكم على مشاعر الآخرين من مظهرهم.

ولا نطالب أنفسنا بأن نكون أقوياء طوال الوقت.

ليس كل من قال «أنا بخير» قد تجاوز ألمه… أحيانًا نحن فقط تعلمنا كيف نحمل الألم ونواصل الطريق.

وربما تكون القوة الحقيقية ليست في أن نقول دائمًا:

«أنا كويس.»

بل في أن نمتلك الشجاعة لنقول:

«أنا مش بخير دلوقتي… لكني بحاول، وده كفاية.»

إرسال التعليق

ربما فاتك