×

السؤال الذي يأتي بعد المليون

احدث الاخبار

السؤال الذي يأتي بعد المليون

متابعات المحور:

1790091788427-0b821h.jpg?token=eyJraWQiOiI0ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc5MDA5MTc4ODQyNy0wYjgyMWguanBnIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc5MDA5MTc4OSwiZXhwIjoxODIxNjI3Nzg5fQ السؤال الذي يأتي بعد المليون

​بقلم: شحاته زكريا

​حين طالعت نبأ استهداف تدريب مليون مواطن على أدوات الذكاء الاصطناعي، توقفت طويلاً أمام بريق الرقم.

​الأرقام المليونية في بلادنا تملك دائماً سحراً خاصاً؛ فهي تملأ صدارة العناوين، وتمنح المتابع شعوراً مريحاً بأننا نركض في مضمار الحداثة بخطى واثقة، وأننا أخيراً نضع أقدامنا على عتبة المستقبل الرقمي الواعد. غير أن التجربة علمتنا أن الأرقام في دفاتر التخطيط شيء، وأثرها في تفاصيل الحياة اليومية للناس شيء آخر تماماً.

صبيحة اليوم التالي للاحتفال

​القصة في تقديري لا تبدأ من قاعات المحاضرات، ولا عند شاشات المنصات التي تمنح المتدربين شهادات إتمام الدورة بعد اجتياز ساعات المشاهدة. القصة الحقيقية تبدأ في صبيحة اليوم التالي لانتهاء الاحتفال؛ تبدأ حين يعود هذا المليون إلى مواقعهم الطبيعية في شريان الدولة:

​إلى ديوان المصلحة الحكومية.

إلى عنبر الإنتاج في المصنع.

​إلى فصول المدارس المزدحمة في القرى والمراكز.

​إلى أروقة المستشفيات التي ينهكها الروتين.

​ماذا سيفعل هؤلاء بما تعلموه؟ والأهم من ذلك: هل تسمح بنية العمل القائمة بأن يفعلوا شيئاً أصلاً؟

​لقد رأينا عبر عقود طويلة كيف استوردنا أحدث شاشات الحواسيب ووزعناها على المكاتب الحكومية، لننتهي في النهاية بمشهد مأساوي يختصر أزمتنا المزمنة: موظف يجلس أمام جهاز حديث، يطبع البيانات على ورقة، ثم يطلب من المواطن أن يذهب بها إلى غرفة مجاورة ليضع عليها “ختم النسر” وقيد السجلات اليدوية!

​المشكلة لم تكن يوماً في غياب التكنولوجيا، بل في بقاء العقلية القديمة التي تبتلع التكنولوجيا وتعيد تدوير الروتين بثوب رقمي. فإذا كان تدريب المليون سينتهي إلى إضافة سطر جديد في السيرة الذاتية دون تغيير جذري في فلسفة إدارة المرفق العام وحل أزمات الناس، فنكون قد استبدلنا الحبر التقليدي بحبر إلكتروني دون أن نخطو خطوة واحدة نحو المستقبل.

التكنولوجيا في معارك الواقع الحقيقي

​إن العالم المتقدم لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ترفاً تقنياً أو دورة تدريبية نلحقها بمؤهلات الموظف، بل يعتبره إعادة تعريف شاملة لمفهوم الإنتاجية، وسلاحاً لإلغاء الهدر، واختصار الوقت، وتحرير البشر من الأعمال الرتيبة ليتفرغوا للتفكير والإبداع.

​وفي بلد يخوض معركة شرسة لزيادة الصادرات، وتحسين التعليم، وتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل الطبقة الكادحة، يصبح السؤال مشروعاً: أين موقع الذكاء الاصطناعي من هذه المعارك الحقيقية؟

​نريد لهذه الأدوات أن تنزل إلى الأرض:

​في الزراعة: أن تساعد المهندس الزراعي في قرى الدلتا والصعيد على التنبؤ بإجهاد المحاصيل وإدارة قطرة المياه الشحيحة بأعلى كفاءة ممكنة.

​في الصحة: أن تمكن الطبيب الشاب في وحدة صحية نائية من تشخيص دقيق ينقذ حياة إنسان.

​في الأسواق: أن تعيد تنظيم سلاسل الإمداد ومواجهة فوضى الأسواق والأسعار ببيانات دقيقة لا تحتمل التلاعب.

​هذا هو الذكاء الاصطناعي الذي يهم المواطن البسيط، وذلك هو القياس الوحيد لنجاح أي مشروع وطني: كم مشكلة على الأرض استطعنا تفكيكها وحلها؟

الموت الإكلينيكي للتلقين

​وهنا بالتحديد نصل إلى بيت القصيد: أزمة التعليم والمدرسة.

​كيف نحدث طالباً عن الذكاء الاصطناعي وعن خوارزميات تفكر وتستنتج، بينما لا تزال فصولنا تكافئ الطالب الذي يحفظ عن ظهر قلب ويفرغ ما حفظه في ورقة الإجابة؟

​الآلة اليوم باتت قادرة على حفظ مكتبات العالم في أجزاء من الثانية وتستطيع الإجابة عن أي سؤال في لحظة، ما يعني ببساطة أن التعليم القائم على الحفظ والتلقين قد مات إكلينيكياً، وأن الاستمرار فيه جريمة بحق الأجيال القادمة.

​المعلم لم يعد مصدراً وحيداً للمعلومة ولن يستطيع منافسة الآلة في سرعتها، لكنه يملك ما لا تملكه كل حواسيب الأرض مجتمعة:

​غرس الضمير.

تعليم الفكر النقدي.

​تدريب التلميذ على الشك المنهجي والتحقق.

​فصل الغث عن السمين وسط طوفان المعلومات المضللة.

الرهان على الإنسان لا الآلة

​إن التحدي الأكبر الذي يواجهنا ليس في تعليم الآلة كيف تحاكي عقل الإنسان، بل في حماية الإنسان من أن يتحول إلى ترس بليد داخل الآلة. نحتاج إلى بناء عقل يسأل “لماذا؟” قبل أن يسأل “كيف؟”، ويدرك متى يثق في مخرجات التكنولوجيا ومتى يرفضها دفاعاً عن الحس الإنساني والعدالة الأخلاقية؛ فالقرارات المصيرية في الاقتصاد والإدارة والطب والقضاء لا يمكن رهنها لمعادلات رياضية صماء لا تعرف الرحمة ولا تفهم خصوصية الواقع الإنساني.

​المليون متدرب رقم براق وواعد بلا شك، والجهد المبذول وراءه يستحق التقدير متى ما صدقت النوايا، لكن الرهان الحقيقي الذي يحدد مكانتنا في خارطة الغد ليس في كم فرداً جلس أمام الشاشات ليتعلم كتابة الأوامر، بل في شجاعة مؤسساتنا على فتح الأبواب أمام هؤلاء وتغيير اللوائح العقيمة التي تكبل مبادراتهم.

​التكنولوجيا في جوهرها أداة محايدة؛ قد تمنحنا قوة دافعة للقفز نحو الإنتاجية، وقد تكتفي بأن تكون مجرد واجهة براقة تستر خلفها بطء الأداء القديم. ومستقبل هذا الوطن لن يصنعه مجرد مستخدمين مبهورين بقدرات الآلة، بل عقول حرة تمتلك الرؤية والإرادة لتقول للآلة ماذا تصنع، وتسخر كل هذا الفيض التقني في بناء دولة قوية تملك قرارها، وتنتج غذاءها، وتحفظ لأبنائها كرامتهم بين الأمم.

تابعوا آخر التحديثات على المحور.

إرسال التعليق

ربما فاتك