مركز الشباب.. من ضيق “الملعب” إلى آفاق “صناعة الإنسان”

بقلم: شحاتة زكريا
ما الذي نبتغيه حقًا من مركز الشباب؟
سؤالٌ ينساب ببساطة ظاهرة، لكن الإجابة عنه هي ما يُحدد ملامح علاقتنا بأحد أهم الروافد التشغيلية لبناء وعي الأجيال القادمة. هل نرتضي بمركـز الشباب مجرد ملعبٍ مستقطع لممارسة الرياضة، أم نريده حاضنةً لاستكشاف المواهب، وصقل الشخصية، وتطوير المهارات، والتهيئة الحقيقية للمستقبل؟
في قرية بحجم وثقل “تفهنا العزب”، يتجاوز هذا السؤال حدود الطرح النظري؛ فالقضية ليست مجرد مبنىً أو مساحة نجيل صناعي، بل هي قضية شباب يمثلون الركيزة الأساسية لمستقبل هذه القرية.
من هذا المنطلق، يتبلور المطلب المشروح لأبناء “تفهنا العزب” (التابعة لمركز زفتى بمحافظة الغربية)، والمتمثل في طلب دراسة إمكانية تحويل مركز شباب القرية إلى “مركز تنمية شبابية”، وفق القواعد واللوائح التنفيذية التي تقرها وزارة الشباب والرياضة.

إن هذا المطلب في جوهره ليس ساحةً لخلاف، ولا صراعًا بين مجالس إدارات متعاقبة، ولا محاولة لمنح طرفٍ مزية على حساب آخر.. إنه مجرد تساؤلٍ مشروع: هل يمتلك هذا المركز المقومات التي تؤهله للقيام بدورٍ أكبر وأوسع يُلبي طموحات شباب القرية؟
تلك إجابة لا يملكها فرد، بل تحكمها المعايير والدراسات الميدانية واللوائح المنظمة. ومن هنا، تبرز أهمية إدارة هذا الحوار بأسلوب متزن وهادئ؛ فلا يصح أن نجزم باستيفاء المركز لكافة الشروط قبل معاينة الجهات المختصة، وفي الوقت ذاته، ليس من المنطقي إغلاق الباب أمام الفكرة دون الوقوف على متطلباتها.
مقومات حاضرة.. ورؤية تستحق الدراسة
يمتلك مركز شباب تفهنا العزب مقومات واقعية تُعزز من إدراج مقاله على طاولة المسؤولين، ومنها:
بنية رياضية قائمة: تضم ملعب كرة قدم سباعي وآخر خماسي.
خدمات لوجستية: وجود أتوبيس مخصص لخدمة الرحلات والأنشطة المختلفة.
استدامة مالية: تنوع الموارد الذاتية التي يمكن تعظيم الاستفادة منها.
كثافة مشاركة: وجود قاعدة عريضة من الأعضاء والنشء بحاجة ماسة لتوسيع مظلة البرامج والأنشطة.
إن هذه الإمكانات لا تعني الجاهزية المطلقة للتحويل، لكنها تؤكد وبجلاء أن الفكرة جديرة بالبحث والتقييم. فإن كانت هناك اشتراطات غائبة، فليتم تحديدها بوضوح لتكتمل خريطة الطريق نحو استكمالها؛ وإن كانت المقومات وافية، فلتُتخذ الإجراءات القانونية المُتبعة.
المعادلة بسيطة بساطة الغاية: نحن لا نبحث عن “مسمى جديد” لمجرد التغيير الشكلي، بل نسعى للارتقاء بالمركز ليكون مؤسسةً شمولية. نريد مكانًا يتجاوز حدود النشاط الرياضي ليشمل:
التأهيل الثقافي والاجتماعي.
التدريب والتطوير المهاراتي.
فتح آفاق جديدة تمهد الطريق أمام الشباب نحو سوق العمل.
وهذا هو التجسيد الحقيقي لمفهوم “الاستثمار في البشر”؛ إذ أثبتت التجارب أن المنشآت العمرانية تظل مجرد جدران صامتة ما لم تُنفخ فيها روح الأثر الإنساني والتنموي.
التنمية الإنسانية.. التتمة الطبيعية لـ “حياة كريمة”
شهدت قرية “تفهنا العزب” خلال السنوات الأخيرة طفرة ملموسة في تطوير الخدمات والبنية التحتية ضمن المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”. ومن الطبيعي أن تتطلع القرية إلى جني ثمار هذه التنمية الشاملة عبر الاستثمار في إنسانها؛ إذ لا تكتمل المبادرات بالطرق والمرافق فقط، بل تكتمل عندما يجد الشاب فرصة حقيقية للتعلم والنمو والمشاركة الفاعلة.
وهنا يحسن بنا جميعًا أن نتبنى ثقافة واعيا في التعاطي مع الأفكار:
المقترح المطور لا يعني تقليلًا من جهد المجالس السابقة.
والاختلاف حول الفكرة لا يعني بالضرورة الوقوف ضد مصلحة القرية.
إن التباين في الآراء حجر زاوية للوصول إلى الخيار الأفضل، طالما ظل ملتزمًا بأطر الاحترام المتبادل والمصلحة العامة. الأشخاص يتعاقبون والمجالس تتغير، لكن المؤسسة هي التي تبقى.
والسؤال الفاصل الذي يجب أن يشغلنا جميعًا ليس “من يُدير اليوم؟”، بل: ماذا نترك لشباب تفهنا العزب بعد سنوات؟
هل سيجدون مركزًا أكثر تطورًا؟
هل ستتسع أمامهم مجالات الإبداع والابتكار والرياضة؟
هل سيكون المركز جسرًا لعبورهم إلى سوق العمل؟
نداء إلى جهة الاختصاص
إن مطمح تحويل مركز شباب تفهنا العزب إلى مركز تنمية شبابية يوضع اليوم بياضًا أمام وزارة الشباب والرياضة؛ لا كأمرٍ مفروغ منه، بل كطرحٍ موضوعي يستحق التقييم.
كل ما نرجوه هو تشكيل لجنة مختصة تُعاين المركز على أرض الواقع، للوقوف على إمكاناته ومراجعة اشتراطاته، وتحديد ما هو متاح وما يحتاج إلى استكمال. لسنا بصدد المطالبة باستثناءٍ أو تجاوزٍ للوائح، بل نطالب فقط بفرصة جادة للدراسة؛ فإن توافرت الشروط فتلك انطلاقة خير، وإن وُجدت نواقص فستكون لدينا بوصلة واضحة نعمل جميعًا على تحقيقها.
تستحق “تفهنا العزب” أن تحلم، وتستحق أن تستثمر في طاقات أبنائها، وأن ترى شبابها في الموقع الذي يليق بطموحاتهم.
ولأن مصلحة القرية تعلو فوق كل حسابات شخصية، فإن المسؤولية تدعونا جميعًا لإرجاء الخلافات والالتفاف حول قاعدة واحدة: ما ينفع تفهنا ندعمه، وما يحتاج إلى دراسة ندرسه، وما يتطلب تطويرًا نطور.
فالقضية في جوهرها ليست “من ينتصر لرأيه”، بل أن تنتصر تفهنا العزب لشبابها.. فهنا يكمن المعنى الأسمى لمركز الشباب: الانتقال من صناعة المكان.. إلى صناعة الإنسان.



إرسال التعليق