×

رحيل الملك هارالد الخامس: النرويج تودع رمز وحدتها وعميد ملوك أوروبا

احدث الاخبار

رحيل الملك هارالد الخامس: النرويج تودع رمز وحدتها وعميد ملوك أوروبا

%D9%85%D9%84%D9%81:King_Harald_V_may_2026_(cropped) رحيل الملك هارالد الخامس: النرويج تودع رمز وحدتها وعميد ملوك أوروبا

خيم الحزن على المملكة النرويجية والعالم بأسره إثر إعلان الديوان الملكي في أوسلو عن رحيل الملك هارالد الخامس، عن عمر يناهز السادسة والثمانين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والالتزام الوطني جعلت منه رمزاً لوحدة البلاد وصمام أمانها في أحلك الظروف. وبرحيله، تطوي النرويج صفحة مشرقة من تاريخها المعاصر، وتودع أوروبا أحد أكثر ملوكها قرباً من قلوب شعبهم وعميداً للحكام الدستوريين في القارة العجوز.

الملك القريب من قلوب شعبه

منذ اعتلائه العرش في السابع عشر من يناير عام 1991، خلفاً لوالده الملك أولاف الخامس، اتخذ الملك هارالد الخامس شعاراً راسخاً لعهده وهو “الكل من أجل النرويج”. لم يكن هذا الشعار مجرد كلمات بروتوكولية، بل كان منهج عمل يومي تجسد في أسلوب حياته وتفاعله المستمر مع النرويجيين من مختلف الفئات والأصول. وقد نجح الملك الراحل في تحديث المؤسسة الملكية وجعلها أكثر مرونة وملاءمة للعصر الحديث، مستعيناً بروح التواضع والإنصات التي ميزت شخصيته.

ولعل زواجه من الملكة سونيا (سونيا هارالدسن)، التي كانت تنتمي إلى عامة الشعب، شكل أولى خطواته الجريئة لكسر الحواجز التقليدية بين القصر والمجتمع. فقد حارب الملك الراحل لسنوات من أجل الحصول على الموافقة للزواج من حب حياته، ممهداً الطريق لعهد ملكي يتنفس برئة الشعب ويعيش همومه اليومية، وهو ما رسخ محبته في قلوب النرويجيين وجعله أباً روحياً للأمة بأسرها.

مواقف إنسانية وطنية صاغت تاريخ النرويج الحديث

لا يمكن تذكر عهد الملك هارالد الخامس دون الوقوف عند مواقفه الإنسانية والوطنية الشجاعة في الأوقات العصيبة. ففي عام 2011، وتحديداً عقب الهجمات الإرهابية الدامية التي نفذها المتطرف أندرس بريفيك في أوسلو وجزيرة يوتويا، قاد الملك حركة لم الشمل الوطني بكلمات مؤثرة ودموع صادقة داوت جراح الأمة المكلومة. وقف الملك هارالد حينها ليعلن أن النرويج لن تنجر إلى الكراهية، بل ستواجه الإرهاب بمزيد من الديمقراطية والانفتاح والمحبة.

وفي عام 2016، ألقى الملك خطاباً تاريخياً في حديقة القصر الملكي حظي بتفاعل عالمي واسع، حيث تحدث فيه بشغف عن التنوع والقبول، مؤكداً أن النرويجيين هم “فتيات يحببن فتيات، وفتيان يحبون فتياناً، وهم نرويجيون هاجروا من مختلف أصقاع الأرض، وهم من يؤمنون بالله أو بالكون أو لا يؤمنون بشيء”. هذا الخطاب كرّس مكانته كملك لجميع النرويجيين دون استثناء، بغض النظر عن خلفياتهم أو معتقداتهم.

عميد ملوك أوروبا والرياضي الشغوف

إلى جانب أدواره الدستورية والسياسية، عُرف الملك هارالد الخامس بشغفه الكبير بالرياضة، ولا سيما رياضة الإبحار الشراعي. فقد مثل بلاده في الألعاب الأولمبية لثلاث دورات متتالية (1964 و1968 و1972)، وحاز على بطولة العالم في الإبحار مع فريقه في مناسبات عدة. هذا الشغف الرياضي لم يكن مجرد هواية، بل كان وسيلة لتمثيل النرويج في المحافل الدولية وبناء جسور التواصل مع شعوب العالم بروح رياضية عالية.

ومع تقدمه في السن ومعاناته من مشاكل صحية متعددة في السنوات الأخيرة، ظل الملك يمارس مهامه الرسمية بكل تفانٍ وإخلاص، رافضاً فكرة التنازل عن العرش، معتبراً أن القسم الذي أداه أمام البرلمان النرويجي (الستورتينغ) هو التزام مدى الحياة. هذا الصمود والوفاء بالعهد جعله يحظى باحترام وتقدير ملوك ورؤساء العالم الذين رأوا فيه مرجعية للحكمة والاتزان السياسي في أوروبا.

انتقال العرش ومستقبل المملكة

ومع إعلان النبأ الحزين، تبدأ النرويج مرحلة انتقالية هادئة بموجب الدستور، حيث يستعد ولي العهد الأمير هاكون لتولي مقاليد الحكم ومواصلة مسيرة والده. وقد تلقى الأمير هاكون، الذي كان يمارس مهام الوصي على العرش خلال فترات مرض والده، تعليماً وتدريباً مكثفين ليكون جديراً بحمل الأمانة وإكمال إرث الملك الراحل في قيادة البلاد نحو مستقبل مستقر ومزدهر.

تنكس النرويج أعلامها اليوم حزناً على فراق ملك لم يكن مجرد رئيس للدولة، بل كان رمزاً للأمان والاستقرار والوحدة الوطنية. وسيتذكر العالم دائماً الملك هارالد الخامس كقائد شجاع واجه العواصف بابتسامة متواضعة، وترك خلفه بلداً متماسكاً يفخر بهويته الإنسانية المنفتحة وقيمه الديمقراطية الراسخة التي رعاها الملك الراحل طيلة ثلاثة عقود من الزمن.

إرسال التعليق

ربما فاتك