×

انفراد .. ننفرد بنشر الفصل الأول من رواية عالم من غير نسوان للكاتب أحمد عزب

احدث الاخبار

انفراد .. ننفرد بنشر الفصل الأول من رواية عالم من غير نسوان للكاتب أحمد عزب

الفصل الأول

الصباح الذي صمت فيه العالم

1784428783122-6sppor.png?token=eyJraWQiOiJzdG9yYWdlLXVybC1zaWduaW5nLWtleV80ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc4NDQyODc4MzEyMi02c3Bwb3IucG5nIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc4NDQyODc4NSwiZXhwIjoxODE1OTY0Nzg1fQ انفراد .. ننفرد بنشر الفصل الأول من رواية عالم من غير نسوان للكاتب أحمد عزب

استيقظ يوسف قبل المنبّه بثلاث دقائق.

لم يكن هذا غريبًا؛ فقد اعتاد أن يفتح عينيه قبل أن يبدأ الهاتف في الصراخ، كأن جسده تعلّم أن يسبق الإزعاج بخطوة. الغريب كان الصمت.

صمتٌ كامل، ثقيل، لا يشبه هدوء الفجر، ولا يشبه السكون الذي يسبق حركة المدينة. كان صمتًا بلا طبقات؛ لا صوت ماء في المطبخ، لا احتكاك ملعقة بحافة كوب، لا خطوات صغيرة تركض في الممر، ولا صوت مريم وهي تحاول إيقاظ ليلى للمدرسة للمرة الثالثة.

فتح عينيه ببطء.

كانت الستارة تتحرك أمام النافذة كأن أحدًا مرّ خلفها. خيط رمادي من ضوء أكتوبر تسلل إلى الغرفة، كشف طرف السرير الفارغ، والوسادة الغائرة قليلًا حيث نامت مريم.

مد يوسف يده إلى الناحية الأخرى.

باردة.

رفع رأسه عن الوسادة، وبقي لحظة ينظر إلى الفراغ بجانبه. لم يشعر بالقلق فورًا. قال في نفسه إنها استيقظت مبكرًا. ربما ليلى رفضت ارتداء الزي المدرسي. ربما انفجر كوب اللبن على السفرة. ربما بدأت المعركة الصباحية المعتادة حول مشبك الشعر الأصفر.

ابتسم بلا وعي.

قال بصوتٍ مبحوح:

— مريم؟

لم يأتِ الرد.

نظر إلى الساعة الرقمية فوق الكومود. السادسة وثمانٍ وثلاثون دقيقة. كان ينبغي أن يكون البيت ممتلئًا بالفوضى الآن؛ ليلى تبحث عن كراسة الواجب، ومريم تقسم أنها وضعتها بنفسها داخل الحقيبة، ثم يظهر الدفتر تحت الأريكة أو داخل دولاب الأحذية لسبب لا يفهمه أحد.

جلس يوسف على حافة السرير، ودلّى قدميه على الأرض.

وقع بصره على شبشب مريم. فردة قرب السرير، والأخرى مقلوبة إلى جوار باب الحمّام.

ظلّ ينظر إليهما أكثر مما ينبغي.

كان هناك شيء غير مريح في وضعهما. مريم لا تترك الشبشب هكذا. كانت تزعجه أحيانًا بدقتها الزائدة، وتقول له إن الفوضى تبدأ من الأشياء الصغيرة. كان يضحك، ثم يترك جوربه فوق الكرسي عن قصد.

وقف.

— مريم؟

هذه المرة كان صوته أعلى.

فتح باب غرفة النوم، فواجهه الممر الضيق. باب غرفة ليلى كان مفتوحًا، والضوء مطفأ. من المطبخ جاء صوت خافت متقطّع.

تِك…

تِك…

تِك…

تقدّم يوسف. مرّ بغرفة ليلى أولًا، ثم عاد خطوة إلى الخلف ونظر داخلها.

السرير خالٍ.

البطانية مزاحة إلى الأرض، وعلى الوسادة بقي أثر دائري لشعرها. حقيبتها المدرسية كانت مفتوحة فوق الكرسي، ودفتر الرسم بارزًا منها. على المكتب كوب ماء نصف ممتلئ، وإلى جواره مشبك الشعر الأصفر.

توقف قلبه لحظة.

ليلى لا تخرج من البيت بدونه.

كان مشبكها المفضل. لو نسيته في مكان، عادت لتأخذه حتى لو كانت الأسرة قد وصلت إلى أسفل العمارة.

دخل الغرفة.

— ليلى؟

الصمت نفسه.

خطا نحو الحمّام. الباب نصف مفتوح، والضوء مشتعل. منشفة مريم معلّقة على الحائط، وفرشاة أسنانها مبتلة، ونقطة معجون بيضاء فوق حافة الحوض.

مدّ إصبعه ولمسها.

لا تزال لينة.

خرج بسرعة إلى المطبخ.

الصوت المتقطع كان صادرًا عن صنبور لم يُغلق جيدًا. قطرة ماء تهوي في الحوض ثم تنفجر على سطحه المعدني.

تِك…

تِك…

تِك…

كان غطاء إناء اللبن مرفوعًا. شعلة البوتاجاز مشتعلة تحت الإناء، واللبن قد غلى وسال على الجوانب، فصنع رائحة محترقة حلوة ومقززة.

أغلق يوسف الغاز.

بجوار الإناء كانت ملعقة مريم فوق الرخامة. وعلى الأرض، إلى جوار الثلاجة، هاتفها.

انحنى والتقطه.

الشاشة سليمة. لا كسور. لا أثر لسقوط عنيف. بدا كأن الهاتف انزلق من يدها وانتهى به الأمر هناك.

ضغط زر التشغيل.

ظهرت صورة مريم وليلى على الشاشة. كان يوسف قد التقطها في الإسكندرية قبل عامين، ولم يكن موجودًا في الصورة لأن مريم قالت له يومها إنه لا يعرف كيف يضبط المؤقت.

تحت الصورة، ظهرت الساعة: السادسة وأربعون دقيقة.

وثلاثة إشعارات لمكالمات فائتة.

كلها من يوسف.

حدّق في الشاشة، ثم في الهاتف الذي كان لا يزال على الكومود داخل غرفة نومه.

عاد بنظره إلى الهاتف في يده.

رنّ فجأة.

ارتجف يوسف وأسقطه.

ارتطم الهاتف بالأرض، وظهر اسم المتصل:

أمّي

انحنى بسرعة والتقطه وردّ.

— أيوه يا ماما؟

لم يسمع صوتًا.

— ماما؟

جاءه تشويش خافت، كأن الهاتف غارق في ماء بعيد.

ثم انقطع الاتصال.

اتصل بها فورًا.

رنّ مرة… مرتين… ثلاثًا.

لا رد.

أخذ مفاتيحه من فوق الطاولة، وخرج من الشقة بملابس النوم. لم يفكر في ارتداء حذائه. كان حافي القدمين حين وصل إلى السلم.

فتح باب الشقة المقابلة.

لم يكن مغلقًا.

دفعه قليلًا.

— يا أستاذة سعاد؟

الشقة ساكنة. التلفزيون يعمل في الصالة على قناة للطبخ، والمذيعة تشرح وصفة بصوت مسجل من حلقة قديمة. فوق السفرة كان كوب شاي يتصاعد منه البخار.

لا أحد.

سمع بابًا يُفتح في الطابق العلوي.

ظهر عماد، جارهم، مرتديًا فانلة داخلية وبنطالًا قصيرًا، وشعره منكوش، ووجهه شاحب.

نظر إلى يوسف وقال:

— مراتك عندك؟

لم يجب يوسف فورًا.

هبط عماد درجتين.

— نجلاء مش موجودة. والبنتين كمان. لفيت عليهم في الشقة كلها.

قال يوسف:

— مريم وليلى اختفوا.

حدّق الرجلان في بعضهما.

ثم قال عماد، ببطء شديد:

— يمكن خرجوا سوا؟

رفع يوسف هاتف مريم.

— تليفونها هنا.

ابتلع عماد ريقه.

من خلفه ظهر ابنه كريم، في السادسة عشرة من عمره، يمسك هاتفه ويقول:

— بابا… فيه حاجة غريبة على النت.

— إيه؟

— كل الناس بتقول نفس الكلام.

اقترب يوسف منه.

على الشاشة كان بث مباشر لرجل يقف في شارع فيصل. يهز الهاتف بعصبية، وخلفه رجال يصرخون ويدخلون البيوت والمحلات.

قال صاحب البث:

— يا جماعة أنا مش بهزر… والله العظيم مش بهزر. مراتي وأمي وأختي مش موجودين. وكل اللي في الشارع بيدوروا على الستات. حد يفهمنا إيه اللي بيحصل!

ظهرت التعليقات بسرعة مرعبة:

أمي اختفت.

مراتي كانت جنبي وفجأة ملقتهاش.

مفيش ممرضات في المستشفى.

كل البنات اختفوا من السكن.

حد يرد عليّا… بنتي عندها سنتين!

انتزع عماد الهاتف من يد ابنه.

— دي إشاعة.

قال كريم:

— إشاعة إيه يا بابا؟ نجلاء وفريدة ومنة فين؟

رفع عماد يده كأنه سيصفعه، ثم تركها تسقط إلى جانبه.

من الطابق السفلي جاء صوت تحطم زجاج، تلاه صراخ رجل:

— يا نهار أسود!

اندفع يوسف إلى أسفل.

خرج إلى مدخل العمارة، فوجد البواب، عم ناصر، يقف أمام شقته مرتجفًا. كان الزجاج المكسور يملأ الأرض، وعلى وجهه جرح صغير ينزف.

أمسك يوسف بذراعه.

— في إيه؟

نظر البواب إليه بعينين زائغتين.

— أم مصطفى مش موجودة.

— يمكن راحت عند حد.

— كانت بتعمل الفطار.

أشار بيد مرتجفة نحو الداخل.

كانت مقلاة فوق النار، والزيت يحترق. طبق يحتوي على طماطم مقطعة، وسكين فوق لوح خشبي. على الأرض طرحة بنية، وحولها قطرات زيت صغيرة.

قال عم ناصر:

— كانت هنا… والله كانت هنا من شوية. كنت بغسل وشي. طلعت ملقتهاش.

أغلق يوسف الغاز، ثم خرج إلى الشارع.

ضربه الضوء أولًا، ثم الضوضاء.

الصمت الذي استيقظ عليه لم يكن غياب الأصوات، بل غياب أصوات بعينها. الآن كان الشارع ممتلئًا بضجيج الرجال؛ نداءات، سباب، أبواق سيارات، بكاء أطفال، صراخ متقطع يأتي من الشرفات.

لكن لم يكن هناك صوت امرأة واحدة.

وقف يوسف على الرصيف، يدور بعينيه.

سيارة بيضاء اصطدمت بعمود إنارة، وباب السائق مفتوح. في المقعد الخلفي كان طفل رضيع يصرخ حتى احمرّ وجهه، بينما رجل في منتصف العمر يحاول فك حزامه بيدين مرتعشتين.

أمام الصيدلية، تجمّع عدد من الرجال يطرقون الباب الزجاجي.

صاح أحدهم:

— افتحوا! ابني عنده أزمة!

ردّ رجل من الداخل:

— مفيش دكتورة ولا صيدلانية! أنا محاسب!

عربة خضار مقلوبة وسط الطريق. حافلة مدرسة متوقفة، وبداخلها أطفال ذكور يبكون، والسائق يردد أنه لا يعرف أين ذهبت المشرفة أو البنات.

اندفع يوسف عبر الشارع.

كان يريد الوصول إلى أمه. لم يكن يفكر في شيء آخر. البيت، الشارع، العالم… كلها تحولت في رأسه إلى ضباب، وفي مركزه شقة أمه في العباسية.

أخرج هاتفه وطلبها مرة أخرى.

لا رد.

حاول طلب سيارة عبر التطبيق، لكن الخريطة كانت حمراء بالكامل، والسيارات لا تتحرك.

أوقف أول تاكسي مرّ أمامه. أمسك بالباب قبل أن ينطلق.

— العباسية.

صرخ السائق:

— مش رايح في حتة! بدور على مراتي!

— أمي لوحدها.

نظر السائق إليه للحظة، ثم ضرب المقود بكفه.

— اركب.

جلس يوسف إلى جواره. كان على المقعد الخلفي قميص نسائي مطوي، وحقيبة يد مفتوحة، ومنديل صغير تفوح منه رائحة عطر.

انطلق التاكسي وسط الزحام.

قال السائق وهو يضغط على آلة التنبيه:

— كانت جنبي.

التفت يوسف إليه.

— مين؟

— مراتي. كانت جنبي هنا.

أشار إلى المقعد.

— بنتخانق عادي. قالتلي إن السكر خلص، قلتلها إنتِ ما بتفتكريش غير وإحنا نازلين. بصيت قدامي ثانيتين… لقيت الكرسي فاضي.

سكت، ثم أضاف:

— الباب ما اتفتحش.

شعر يوسف ببرودة تسري في ظهره.

قال:

— يعني شفتها وهي…

— ما شفتش حاجة.

— سمعت حاجة؟

— صوت زنة. زي لما التليفزيون يفصل.

نظر يوسف من النافذة.

كانت القاهرة تنهض من نومها وقد نُزع منها نصفها. رجال يجرون في كل اتجاه. سيارات متروكة في منتصف الطرق. طفل يقف فوق الرصيف ممسكًا بحذاء نسائي ويصرخ: «ماما!» ورجل مسن يجلس على الأرض، يحرك شفتيه دون صوت.

أمام مستشفى، كان عشرات الرجال يطرقون الأبواب. ممرضون وأطباء ذكور يصرخون في بعضهم، بينما صفارات الإسعاف تتداخل دون نظام.

قال السائق:

— دي القيامة؟

لم يرد يوسف.

أمسك هاتف مريم وفتحه. لم يكن عليه قفل؛ كانت تكره الأرقام السرية، وتقول إن حياتها ليست ملفًا مخابراتيًا.

فتح سجل المكالمات.

آخر مكالمة في الخامسة وسبعٍ وخمسين دقيقة صباحًا.

رقم غير مسجل.

مدة المكالمة: أربع عشرة ثانية.

ضغط عليه.

ظهر إشعار: الرقم غير متاح.

فتح الرسائل.

وجد محادثات عادية؛ زميلة في المستشفى، مجموعة أمهات المدرسة، رسائل من الصيدلية، صورة أرسلتها مريم لأمها منذ ثلاثة أيام.

ثم لاحظ محادثة مؤرشفة بلا اسم.

فتحها.

لم يكن فيها سوى رسالة واحدة، وصلت قبل يومين.

استعدي. الموعد اقترب. لا تخبريه.

شعر يوسف أن السيارة تباطأت، أو ربما كان العالم كله هو الذي تباطأ.

قرأ الرسالة مرة ثانية.

ثم ثالثة.

قال السائق:

— وصلنا على قد ما أقدر. الشارع مقفول.

رفع يوسف رأسه.

كان على بعد شارعين من بيت أمه.

نزل وركض.

حافي القدمين تقريبًا؛ لم ينتبه إلا حين شق الزجاج الصغير باطن قدمه. واصل الجري وهو يعرج، يصعد فوق الرصيف وينزل منه، يصطدم بالرجال الذين يجرون في الاتجاه المعاكس.

وصل إلى العمارة.

باب المصعد مفتوح، لكنه لا يعمل. صعد الدرج حتى الطابق الرابع، يلهث، وطرق الباب.

— ماما!

لا رد.

أخرج مفتاحه الاحتياطي. أخطأ في إدخاله مرتين قبل أن يفتح.

دفع الباب.

استقبلته رائحة القهوة.

— ماما؟

دخل الصالة.

التلفاز يعمل على قناة إخبارية، والمذيع رجل يقرأ الأخبار بصوت مرتبك. فوق الطاولة طبق تمر، ونظارة أمه، ومصحف مفتوح على المقعد.

المطبخ فارغ.

غرفة النوم فارغة.

الحمام فارغ.

فتح الشرفة.

لا أحد.

عاد إلى الصالة، ووقف في منتصفها عاجزًا عن التنفس.

رنّ هاتفه.

كان عماد.

ردّ يوسف بصوت خافت:

— أيوه.

جاء صوت عماد مكسورًا:

— يوسف… افتح التلفزيون.

نظر يوسف إلى الشاشة.

المذيع كان يمسك ورقة، لكن يده تهتز بوضوح. خلفه شريط أحمر يحمل عبارة:

بيان عاجل

رفع المذيع عينيه إلى الكاميرا.

— تؤكد الجهات الرسمية أن حالات الاختفاء الجماعي التي تم رصدها صباح اليوم لا تقتصر على محافظة بعينها. وقد وردت بلاغات متشابهة من جميع أنحاء الجمهورية…

توقف لحظة، وكأن أحدًا قال له شيئًا في سماعة أذنه.

تغير وجهه.

نظر إلى الورقة، ثم إلى الكاميرا مرة أخرى.

— كما وصلت تقارير أولية من عدة دول عربية وأوروبية وآسيوية… تشير إلى الظاهرة نفسها.

سقطت الورقة من يده.

ساد الاستوديو صمت قصير.

ثم قال المذيع بصوت لم يعد مهنيًا ولا متماسكًا:

— حتى هذه اللحظة… لم يتم العثور على امرأة واحدة.

انطفأت الشاشة فجأة.

ليس بسبب انقطاع الكهرباء.

ظهر تشويش أبيض وأسود، عنيف، ملأ التلفاز بصوت حاد جعل يوسف يضع يده على أذنه.

استمر التشويش ثلاث ثوانٍ فقط.

ثانية أولى.

ثانية ثانية.

وفي الثانية الثالثة ظهر وجه طفلة وسط التشويش.

وجه ليلى.

كانت واقفة في مكان غارق في ضوء بنفسجي، تحدق مباشرة إلى الكاميرا.

فتحت فمها وقالت شيئًا لم يسمعه.

ثم عادت الشاشة إلى البث الطبيعي.

تجمّد يوسف أمامها.

بعد لحظة، اهتز هاتف مريم في يده.

وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول.

فتحها.

كانت ثلاث كلمات فقط:

لا تبحث عنها هنا.

إرسال التعليق

ربما فاتك