مضيق هرمز.. “العقدة الأصعب” التي تعطل قطار التفاهمات بين واشنطن وطهران

اعداد التقرير : أحمد عزب
تتسع شقة الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران في ظل مشهد سياسي يلفه الغموض وضبابية تحيط بمسار التفاوض، فبينما تتباين الروايات حول طبيعة الاتصالات الجارية وحدودها، يبرز مضيق هرمز كأعقد ملف استراتيجي يحكم مآلات أي تسوية محتملة بين الطرفين.
وفي قراءة لتطورات هذا المشهد عبر برنامج “الظهيرة” على شاشة “سكاي نيوز عربية”، قدم الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس، ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور، مقاربتين متناقضتين تعكسان عمق الفجوة في تفسير الوقائع وحسابات الربح والخسارة.
كواليس التفاوض: بين الحقائق والمناورة الإعلامية
يرى عقيل عباس أن الحديث عن وجود محادثات أميركية-إيرانية يستند إلى وقائع ملموسة على الأرض، مشيراً إلى أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تحمل صبغة مبالغ فيها، لكنها لا تخلو من حقيقة موضوعية.
عباس: “النفي الإيراني لوجود مفاوضات مباشرة يندرج في إطار الحرب الإعلامية، حيث تركز طهران على شكل التفاوض وآليته (مباشر أم عبر وسطاء) للتعمية على أصل وجود القنوات التفاوضية”.
في المقابل، يطرح مصدق بور رؤية مغايرة، مؤكداً أن الانتقال إلى مرحلة الاتفاق النهائي لا يزال متعذراً نتيجة إخلال الجانب الأميركي بتنفيذ بنود سابقة نصت عليها مذكرة التفاهم، وفي مقدمتها:
الملف اللبناني وتفرعاته.
الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
تفعيل الإعفاءات الخاصة ببيع النفط الإيراني.
وينوه بور بأن عدم التزام واشنطن بهذه التعهدات هو ما يدفع طهران إلى رفض الانتقال إلى أي مرحلة تالية من المفاوضات.
مضيق هرمز.. جوهر الصراع وبند الخلاف المثير للجدل
يمثل مضيق هرمز حجر الزاوية في هذا الصراع الراهن؛ حيث يرى عباس أن التحول الأبرز يكمن في إعادة تفسير البند الخامس من مذكرة التفاهم. هذا البند، الذي بدا في البداية وكأنه يمنح إيران دوراً في “الإدارة المشتركة” للمضيق مع سلطنة عُمان، اصطدم باشتراط أن تكون الترتيبات “متسقة مع القانون الدولي”، وهو ما جرّد طهران من تفسير البند لصالحها.
وأوضح عباس أن الموقف الخليجي والعُماني الحاسم الداعم لـ “مرور آمن ودون فرض رسوم” دفع إيران لاستهداف السفن، مما أطلق سلسلة من الردود العسكرية الأميركية المتبادلة، أثبتت فيها واشنطن استعداداً أعلى وعدم مبالاة بمصير مذكرة التفاهم.
المسارات البديلة وخسارة ورقة الضغط
على الجانب الآخر، اعتبر مصدق بور أن موافقة المنظمة البحرية الدولية على فتح مسارين بحريين مؤقتين تُعد مؤشراً على خسارة إيران العملية لورقة المضيق، نظراً لأن الشرعية الدولية للمسارات وإخلاء السفن تقع تحت مظلة هذه المنظمة، وبموافقة دول الخليج.
ومع ذلك، يرفض بور التسليم بالخسارة الكاملة لهذه الورقة الاستراتيجية، موضحاً ملامح الموقف الإيراني كالآتي:
نفي الرسوم الجمركية: إيران لا تسعى لفرض رسوم عبور، وما صدر سابقاً عن مسؤولين كان يفتقر للوعي السياسي.
النظام الحقوقي: الهدف الإيراني هو إرساء نظام حقوقي وفقاً لقانون البحار تحت مرجعية الأمم المتحدة، وبالتنسيق مع عُمان والدول المتشاطئة.
التهديد بالاستهداف: حذر بور من أن طهران ستستهدف أي سفينة تمر عبر المسارات البديلة إذا لم يتم الالتزام بتطبيق بنود مذكرة التفاهم كحزمة واحدة.
معركة القانون الدولي: “مرور عابر” أم “سيادة إقليمية”؟
تتمحور العقدة القانونية للخلاف حول تصنيف المضيق وطبيعته:

موازين القوى وسيناريوهات كسر العظم
في تقييم القدرات العسكرية، يرى عقيل عباس غياب التوازن التام؛ إذ تعرضت البنية العسكرية والنووية الإيرانية، إلى جانب قطاعها الصناعي والاقتصادي، لضربات موجعة، بينما تقتصر الضغوط على الداخل الأميركي في ملف أسعار الوقود وتأثيرها على الحسابات الانتخابية.
وبناءً على ذلك، يتوقع عباس سيناريوهين للمرحلة المقبلة:
السيناريو الدبلوماسي: رغبة إدارة ترامب في صياغة اتفاق شامل يمتد إلى الصواريخ الباليستية عبر تفاهمات غير معلنة قد تتبلور قريباً.
السيناريو العسكري: في حال تعثر التفاوض، قد تلجأ واشنطن لفرض حصار بحري أو سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز لحسم الملف استراتيجياً.
أما مصدق بور، فيؤكد أن إيران واجهت واشنطن وهي تدرك عدم تكافؤ القوة العسكرية، لكنها تراهن على “الحرب غير المتناظرة” لتحقيق مكاسب سياسية. ويضيف أن مخاوف الطرفين ترتبط بالداخل؛ فطهران تخشى اتهامها بالتنازل، وترامب يخشى انتقادات معارضيه بتقديم تنازلات لإيران.
ختاماً، يبقى مضيق هرمز معلقاً بين مطرقة التدويل وفرض حرية الملاحة بقوة السلاح الأميركي، وسندان الإصرار الإيراني على استخدام الممر المائي كأداة ضغط قادرة على إشعال أزمة وقود عالمية متى ما اقتضت الضرورة.



إرسال التعليق