نفط قياسي ومدن في الظلام.. أزمة ليبيا تتجاوز الكهرباء
كتب : احمد عزب
تعيش ليبيا مفارقة اقتصادية وإنسانية حادة؛ فبينما تسجل معدلات إنتاج النفط والغاز أعلى مستوياتها منذ نحو 13 عاماً، تقبع مدن بأكملها في ظلام دامس لساعات طويلة يومياً وسط حرارة صيفية لاهبة، لتكشف الأزمة الراهنة عن اختلالات هيكلية تتجاوز مجرد عجز في توليد الطاقة الكهربائية إلى أزمة إدارة وحوكمة شاملة.
المفارقة الرقمية: ثروة في الحقول وعجز في المنازل
أرقام إنتاج قياسية: وصل إنتاج ليبيا من النفط الخام والمكثفات إلى نحو 1.49 مليون برميل يومياً، متجاوزاً إنتاج الغاز حاجز 2.44 مليار قدم مكعبة يومياً، وهو أعلى معدل منذ عام 2013.
ضغط البلاغات والأعطال: استقبلت الشركة العامة للكهرباء أكثر من 15 ألف بلاغ في يوم واحد، شكّلت شكاوى طرح الأحمال والأعطال الفنية ما يزيد على 95% منها، وتصدرت طرابلس والمدن الساحلية قائمة المناطق المتأثرة.
جذور الأزمة: أبعاد تتجاوز التوليد الفني
تهالك البنية التحتية والسرقات: تعاني الشبكة القومية من تراكم الأعطال الفنية لعقود، بالتوازي مع اتساع رقعة سرقة الكابلات ومكونات المحطات والتوصيلات غير المشروعة.
أزمة إمدادات الوقود والغاز: ترتبط أزمة انقطاع التيار بصعوبة تأمين الوقود السائل والغاز للمحطات في الوقت المناسب، إلى جانب التوترات الأمنية التي تعطل تدفق الغاز أحياناً كما حدث في إغلاق مجمع مليتة الصناعي.
الانقسام السياسي والمؤسسي: يعيق الانقسام الإداري وضع خطط صيانة استراتيجية وموحدة، مما يجعل التدخلات مقتصرة على حلول إسعافية مؤقتة.
التداعيات المعيشية والاقتصادية
شلل الخدمات الأساسية: أدى انقطاع التيار إلى توقف محطات ضخ المياه التابعة لمنظومة النهر الصناعي ومحطات التحلية، وتضرر المرافق الصحية ومخازن الأدوية واللقاحات.
أزمة المخابز والوقود: تسبب غياب الكهرباء في رفع تكاليف تشغيل المولدات الخاصة، ما هدد بزيادة أسعار رغيف الخبز وصنع طوابير ممتدة أمام محطات توزيع الوقود.
حلقة الاحتجاجات المفرغة: فجرت الانقطاعات المتكررة غضب الشارع واحتجاجات شعبية هددت بإغلاق بعض الحقول والمنشآت الحيوية، مما ينذر بتعطيل الإنتاج النفطي ذاته إذا لم تعالج الأزمة من جذورها.
تثبت الأزمة الليبية أن وفرة الموارد الطبيعية والإنتاج القياسي لا يكفيان وحدهما لضمان استقرار الخدمات؛ إذ تظل استدامة التيار الكهربائي والأمن الخدمي رهناً بإنهاء الانقسام المؤسسي، وحماية المرافق الاستراتيجية، وتوجيه العوائد النفطية نحو إعادة تأهيل شاملة للبنية التحتية المتهالكة.


إرسال التعليق