×

هل أصبحت الخدمات أهم من المصانع؟

احدث الاخبار

هل أصبحت الخدمات أهم من المصانع؟

1785519953056-nesm0x.jpg?token=eyJraWQiOiJzdG9yYWdlLXVybC1zaWduaW5nLWtleV80ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc4NTUxOTk1MzA1Ni1uZXNtMHguanBnIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc4NTUxOTk1MywiZXhwIjoxODE3MDU1OTUzfQ هل أصبحت الخدمات أهم من المصانع؟

بقلم: شحاتة زكريا

كلما أعلنت شركة تكنولوجيا عن أرباح تتجاوز موازنات دول وكلما ارتفعت القيمة السوقية لمنصة رقمية إلى ما يفوق قيمة عشرات الشركات الصناعية عاد السؤال إلى الواجهة:

هل انتهى عصر المصانع؟ وهل انتقلت قيادة الاقتصاد العالمي إلى قطاع الخدمات؟ يبدو السؤال منطقيا لكن الإجابة ليست بهذه البساطة لأن ما يحدث في الاقتصاد العالمي ليس إحلالا لقطاع مكان آخر بل إعادة تعريف لمفهوم الثروة نفسه.. قبل نصف قرن كانت صورة الدولة القوية تبدأ من مداخن المصانع.

كان الحديد والصلب، والسيارات، والسفن، والآلات، هي المؤشرات التي تقاس بها قوة الاقتصادات. أما اليوم فقد تغير المشهد.

لم تعد الثروة تصنع داخل خطوط الإنتاج وحدها بل أصبحت تتشكل أيضا داخل مراكز البرمجيات وشركات الخدمات اللوجستية ومنصات التجارة الإلكترونية ومراكز البيانات ومختبرات الذكاء الاصطناعي. وهنا بدأ البعض يتحدث عن نهاية عصر الصناعة…لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن ما يبدو نهاية

يكون في كثير من الأحيان بداية لمرحلة جديدة. فالمصانع لم تختفي وإنما تغيرت. والخدمات لم تلغ الصناعة بل أعادت تشكيلها.

فالسيارة التي تخرج اليوم من المصنع ليست مجرد محرك وهيكل معدني بل حزمة متكاملة من البرمجيات وأنظمة الاتصال وخدمات الصيانة والتحديثات الرقمية والتمويل والتأمين. وأصبحت القيمة المضافة التي تحيط بالمنتج في أحيان كثيرة أعلى من قيمة المنتج نفسه.

إن العالم لم يعد يبحث فقط عمن يصنع بل عمن يبتكر ويطور ويصل إلى الأسواق أسرع ويقدم خدمة أفضل بعد البيع.

ومن هنا لم تعد المنافسة بين المصانع بل بين منظومات اقتصادية متكاملة تدمج الإنتاج بالمعرفة والتكنولوجيا بالخدمات والابتكار بسلاسل الإمداد.

غير أن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الاقتصاد الرقمي يغني عن الصناعة. فقد أثبتت السنوات الأخيرة بما شهدته من اضطرابات في التجارة العالمية، وأزمات في سلاسل الإمداد وتقلبات جيوسياسية أن الدولة التي لا تملك قاعدة إنتاجية قوية تظل أكثر تعرضا للهزات. فحين تعطلت حركة النقل العالمية لم يكن السؤال: من يملك التطبيقات الأكثر تطورا؟ بل كان: من يستطيع إنتاج الدواء، والغذاء، والرقائق الإلكترونية، ومستلزمات الحياة؟ لقد أعادت تلك الأزمات الاعتبار إلى الصناعة ليس باعتبارها مصدرا للنمو فقط بل باعتبارها ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي. فالدول التي تنتج احتياجاتها الأساسية تمتلك مساحة أوسع في اتخاذ القرار وتكون أقل عرضة للضغوط الخارجية. لذلك لم يكن غريبا أن تعود كبرى الاقتصادات إلى تشجيع التصنيع المحلي وتوطين الصناعات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على المورد الواحد…لكن الصناعة نفسها لم تعد كما كانت. فالمصنع الحديث لا يعتمد على الآلات وحدها بل على البيانات والذكاء الاصطناعي، والتحكم الرقمي، والروبوتات، وتحليل الأسواق في الوقت الحقيقي. ولم يعد العامل مجرد منفذ لعملية إنتاج بل أصبح جزءا من منظومة معرفية تتطلب مهارات متجددة وقدرة على التعلم المستمر.. وهنا تظهر الحقيقة التي يغفلها كثيرون وهي أن الخدمات لم تنتصر على المصانع وإنما جعلتها أكثر ذكاء. فالخدمات اللوجستية تختصر الزمن والخدمات المالية تمول التوسع والبرمجيات ترفع كفاءة الإنتاج والتسويق الرقمي يفتح أسواقا جديدة وخدمات ما بعد البيع تصنع ولاء العميل. وباختصار.فإن المصنع يصنع المنتج لكن الخدمة هي التي تصنع قيمته في السوق.

وبالنسبة لمصر فإن هذا التحول يمثل فرصة أكثر منه تحديا. فالدولة تمتلك موقعا جغرافيا استثنائيا وشبكة طرق وموانئ تتطور بوتيرة متسارعة ومناطق صناعية واعدة إلى جانب توسع واضح في البنية الرقمية والخدمات اللوجستية. والسؤال لم يعد: هل نستثمر في الصناعة أم في الخدمات؟ بل: كيف نجعل كل مصنع نقطة انطلاق لمنظومة خدمات متطورة وكل خدمة وسيلة لدعم الإنتاج وزيادة الصادرات؟

إن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد وحده يظل رهينة للأسواق الخارجية والاقتصاد الذي ينتج دون أن يطور خدماته يفقد قدرته على المنافسة. أما الاقتصاد الذي يجمع بين الاثنين فهو الأقدر على خلق فرص العمل وجذب الاستثمار وتحقيق نمو مستدام.. ولهذا.فإن التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون بناء مصانع جديدة فقط بل بناء الإنسان القادر على إدارتها بعقل جديد. فالعامل الماهر والمهندس المبدع، والمبرمج، وخبير اللوجستيات، ومحلل البيانات أصبحوا جميعا شركاء في خط إنتاج واحد حتى وإن اختلفت أماكن عملهم.. لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها القيمة الحقيقية تقاس بما يخرج من المصنع فقط بل بما يحيط بهذا المنتج من معرفة، وخدمة، وابتكار. ولم تعد المنافسة بين دولة تصنع وأخرى تقدم خدمات بل بين دولة تعرف كيف تحول الفكرة إلى منتج والمنتج إلى علامة تجارية والعلامة التجارية إلى نفوذ اقتصادي.. ويبقى السؤال: هل أصبحت الخدمات أهم من المصانع؟ ربما تكون الإجابة الأدق أن السؤال نفسه لم يعد صحيحا. فالمصنع والخدمة لم يعودا طرفين في معادلة متنافسة بل شريكين في صناعة المستقبل. والدولة التي تدرك هذه الحقيقة مبكرا لن تكون مجرد مشارك في الاقتصاد العالمي بل ستكون أحد صانعي قواعده…ففي عالم تتغير فيه أدوات القوة كل يوم لن يكون الرهان على مصنع بلا خدمات ولا على خدمات بلا إنتاج. الرهان الحقيقي سيكون على اقتصاد يعرف أن الثروة لا تولد من الحديد وحده ولا من الشاشة وحدها بل من قدرة الأمة على أن تجعل الفكر ينتج والإنتاج يبتكر والابتكار يصنع مستقبلا لا يعتمد على الآخرين.

إرسال التعليق

ربما فاتك