طفرة غير مسبوقة في جراحة العظام.. أ.د. هاني عفيفي يكشف أحدث البروتوكولات العالمية من “الليوبريسين” والحقن الشرياني للخشونة إلى الروبوت الجراحي و”بالون الكتف”

ملف طبي خاص | أحدث تقنيات جراحة العظام والمفاصل
تشهد جراحة العظام وأمراض المفاصل ثورة علمية متسارعة أعادت صياغة المفاهيم العلاجية للحالات المعقدة والمستعصية؛ إذ لم يعد التدخل الجراحي التقليدي الخيار الوحيد أمام تآكل المفاصل أو الإصابات العظمية الكبرى، بل باتت الهندسة النسيجية، والعلاجات الجزيئية، والأشعة التداخلية، والجراحات الروبوتية تشكل منظومة متكاملة تمنح المرضى نسب تعافٍ غير مسبوقة وبأقل تدخل جراحي ممكن.
وفي قراءة علمية شاملة لهذه الطفرات الطبية، يستعرض الأستاذ الدكتور هاني عفيفي أبرز المستجدات الإكلينيكية والأبحاث العالمية التي ترسم ملامح المستقبل في علاج أمراض ومشكلات العظام والمفاصل المستعصية:
أولاً: ثورة متعددة المسارات في علاج خشونة الركبة وتأخير الجراحة
تستحوذ خشونة مفصل الركبة على النصيب الأكبر من الأبحاث البيولوجية والتداخلية الحديثة، والتي تهدف إلى كسر حلقة الألم المزمن وإعادة بناء الغضروف وتأخير الحاجة لاستبدال المفصل في حال فشل الطرق التقليدية، وذلك عبر 4 اتجاهات مبتكرة:
1. الحقن البيولوجية المجددة للغضاريف
بعد أن ظل تآكل الغضروف يُعامل كمسار لا رجعة فيه، يطور الباحثون للمرة الأولى حقناً مفصلية قادرة على تحفيز الخلايا الغضروفية الكامنة لإعادة بناء النسيج الغضروفي المتآكل واستعادة سماكته حيوياً من الداخل.
2. تطوير “الليوبريسين” المُصنّع (Synthetic Lubricin)
تتجه الأبحاث الحديثة نحو تصنيع بديل حيوي لمادة “الليوبريسين” الطبيعية، وهي مادة من “الجليكوبروتين” (البروتينات السكرية) المسؤولة بشكل مباشر عن تزييت المفصل وحماية سطح الغضاريف من الاحتكاك والتآكل؛ مما يمهد الطريق لعلاج جذري ومباشر لخشونة الركبة يعوض النقص الطبيعي لهذه المادة الحيوية.
3. الحقن الشرياني الانسدادي المؤقت بالأشعة التداخلية
في نقلة نوعية لعلاج آلام الخشونة وتحسين مدى الحركة، توصلت الأبحاث إلى تقنية دقيقة تعتمد على حقن جزيئات دقيقة “قابلة للذوبان” عبر الأشعة التداخلية داخل الشعيرات والشرايين الرفيعة غير الطبيعية المسؤولة عن تغذية الالتهاب المزمن في الركبة. ويتميز هذا “الحقن الانسدادي المؤقت” عن الحقن الانسدادي الدائم الحالي بارتفاع معدلات أمانه، وقدرته الفائقة على إيقاف نبضات الألم وتحسين حركة المفصل بدرجة كبيرة تستمر لعام كامل أو أكثر.
4. حقن شرايين الركبة بالخلايا الجذعية (أبحاث جامعة ميامي ميلر)
كشف بحث رائد في كلية الطب بجامعة “ميامي ميلر” (University of Miami Miller School of Medicine) عن مسار مبتكر يعتمد على حقن الشرايين المغذية لمفصل الركبة مباشرةً — بدلاً من الحقن التقليدي داخل تجويف المفصل نفسه — باستخدام خلايا جذعية مستخلصة من الحبل السري ومعالجة معملياً، وهو ما يضمن وصول الخلايا الإصلاحية ومضادات الالتهاب لكامل أنسجة المفصل بفاعلية مضاعفة، ويمثل خطوة كبرى لتخفيف الألم وتأجيل التدخل الجراحي.
ثانياً: الجراحة الروبوتية.. الدقة المطلقة في تغيير مفصل الركبة بمصر
عند وصول خشونة الركبة إلى مراحل متأخرة تستوجب التغيير الكلي للمفصل، يتصدر الروبوت الجراحي المشهد باعتباره أحدث وأدق تقنية عالمية، وهي تقنية متوفرة وتُجرى حالياً بالفعل داخل مصر.
وتعتمد التقنية على التخطيط ثلاثي الأبعاد وتوجيه الذراع الروبوتية لقص العظام وتركيب المفصل الصناعي بدقة أجزاء المليمتر، مما يحافظ على الأربطة والأنسجة الرخوة، ويقلل من الألم وفقدان الدم، ويمنح المريض تعافياً سريعاً وعمراً افتراضياً أطول للمفصل الجديد.
ثالثاً: بالون الكتف بالمنظار.. طوق نجاة لكبار السن
يمثل القطع الكامل والمنكمش غير القابل للإصلاح في أوتار الكتف لدى كبار السن تحدياً جراحياً كبيراً؛ نظراً لتآكل الأنسجة وصعوبة خياطتها.
وهنا برزت تقنية البالون الطبي عبر المنظار كحل طفيف التوغل؛ حيث يتم إدخال بالون حيوي قابل للتحلل في المساحة تحت عظم الأخرم ليعمل كوسادة فاصلة تمنع احتكاك العظام ببعضها، وتعيد التوازن الميكانيكي للمفصل، مما ينهي الآلام المبرحة ويسمح للمريض برفع ذراعه وممارسة حياته الطبيعية دون اللجوء لجراحات كبرى معقدة.
رابعاً: الـ”هيدروجيل” الذكي.. بديل حيوي عن الترقيع العظمي
لمواجهة مشكلة فقدان أجزاء كبيرة من العظام — سواء الناتجة عن الحوادث الشديدة أو عقب جراحات استئصال الأورام العظمية — تتسارع الأبحاث التطبيقية لاستخدام سقالات حيوية من مادة الـ”هيدروجيل” (Hydrogel) المدمجة بالخلايا الجذعية وعوامل النمو (Growth Factors).
تُزرع هذه المادة في موضع الفقد العظمي لتحفز الجسم على بناء أنسجة عظمية حية وشبكة أوعية دموية جديدة تحل تدريجياً محل الهيدروجيل، لتصبح بديلاً ثورياً وآمناً يغني عن عمليات الترقيع العظمي التقليدية (أخذ عظام من الحوض أو الساق) وما يصاحبها من آلام ومضاعفات.
ويختتم الأستاذ الدكتور هاني عفيفي بالتأكيد على أن تلاحم هذه الابتكارات — من الجزيئات الحيوية والأشعة التداخلية وصولاً إلى الروبوت الجراحي وهندسة الأنسجة — ينقل طب وجراحة العظام إلى عصر جديد يضع راحة المريض، وسرعة استشفائه، والحفاظ على أنسجته الطبيعية في مقدمة الأولويات الطبية.
“`



إرسال التعليق