×

“آباء الإنترنت”: كيف تحولت رسالة من حرفين إلى عصب العالم الحديث؟

احدث الاخبار

“آباء الإنترنت”: كيف تحولت رسالة من حرفين إلى عصب العالم الحديث؟

1782927486636-i8qpj5.jpg?token=eyJraWQiOiJzdG9yYWdlLXVybC1zaWduaW5nLWtleV80ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc4MjkyNzQ4NjYzNi1pOHFwajUuanBnIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc4MjkyNzQ4OCwiZXhwIjoxODE0NDYzNDg4fQ "آباء الإنترنت": كيف تحولت رسالة من حرفين إلى عصب العالم الحديث؟

​أعد التقرير : أحمد عزب

​هل تساءلت يوماً وأنت تتصفح هاتفك، أو تتابع مقطع فيديو، أو ترسل رسالة عبر الواتساب: كيف بدأ هذا المارد الرقمي الذي يربط سكان الأرض؟ هل كان نتاج مصادفة، أم خلفه عقول غيّرت مجرى التاريخ؟

​القصة ليست مجرد اختراع تقني، بل هي ملحمة علمية بدأت خطواتها الأولى متعثرة، لتصبح اليوم الركيزة الأساسية للحضارة البشرية في عام 2026.

​نشأة “أبو الإنترنت”: من الرياضيات إلى الثورة الرقمية

​تبدأ فصول الحكاية مع ولادة فينت سيرف (Vint Cerf) عام 1943 في مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت الأمريكية. أظهر فينت منذ صغره ذكاءً حاداً وشغفاً بالعلم، حيث تابع دراسته حتى تخرج من جامعة ستانفورد العريقة بكالوريوس في الرياضيات. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل رحلته الأكاديمية لينال الماجستير والدكتوراه في علوم الحاسب الآلي من جامعة لوس أنجلوس عام 1972.

​في تلك الحقبة، كان العالم يعيش أوج “الحرب الباردة” والمنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ولم تكن المنافسة محصورة في غزو الفضاء فحسب، بل امتدت للحاجة إلى وسيلة اتصال عسكرية آمنة وسريعة تربط الجيش الأمريكي المنتشر حول العالم. من هنا، ضخت الحكومة الأمريكية استثمارات ضخمة في الجامعات ومراكز الأبحاث لدعم العلماء.

​مشروع “أربانت”: ولادة الفكرة من رحم الحروب

​في عام 1969، تبنت وزارة الدفاع الأمريكية مشروعاً طموحاً يحمل اسم “أربا” (ARPA)، والذي تحول لاحقاً إلى “أربانت” (ARPANET). كان الهدف الأساسي هو ربط أجهزة الكمبيوتر في الجامعات الكبرى لتبادل البيانات.

​كيف كان الوضع آنذاك؟

كانت الكمبيوترات في سبعينيات القرن الماضي ضخمة الحجم (بحجم غرفة كاملة)، وكان استخدامها يتطلب قائمة انتظار طويلة، فضلاً عن عجزها عن تبادل المعلومات مع الأجهزة الأخرى.

​في البداية، نجح العلماء في ربط أربعة كمبيوترات فقط. وجاءت اللحظة التاريخية عند محاولة إرسال أول رسالة في تاريخ الإنترنت من جامعة لوس أنجلوس إلى جامعة ستانفورد. كانت الكلمة المراد إرسالها هي “Login”، ولكن بسبب ضعف الشبكة، لم يصل منها سوى حرفين فقط: “L” و “O”، قبل أن ينهار النظام. ورغم ذلك، شَكّل هذا الفشل الجزئي الخطوة الأولى لأعظم إنجاز بشري.

​لغة مشتركة للآلات: بروتوكول (IP)

​استمرت المحاولات لتطوير النظام، لكن عملية التواصل كانت معقدة للغاية وتتطلب تحديد أرقام مرسل ومستقبل بدقة شديدة لكل سطر بيانات.

​نقطة التحول الحقيقية حدثت عام 1983، عندما ابتكر فينت سيرف بالتعاون مع صديقه العالم روبرت كان (Robert Kahn) ما يُعرف بـ “بروتوكول الإنترنت” (IP / TCP). هذا الابتكار كان بمثابة “اللغة الموحدة” التي سمحت لجميع أجهزة الكمبيوتر المختلفة حول العالم بفهم بعضها البعض وتبادل البيانات بسلاسة ودون ضياع. ومن هنا، استحق الثنائي عن جدارة لقب “آباء الإنترنت”.

​من النطاقات العسكرية إلى الشبكة العالمية المفتوحة

1782927510702-eam0xk.png?token=eyJraWQiOiJzdG9yYWdlLXVybC1zaWduaW5nLWtleV80ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc4MjkyNzUxMDcwMi1lYW0weGsucG5nIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc4MjkyNzUyMSwiZXhwIjoxODE0NDYzNTIxfQ "آباء الإنترنت": كيف تحولت رسالة من حرفين إلى عصب العالم الحديث؟

لتسهيل استخدام هذه الشبكة الناشئة:

​عام 1991: تم ابتكار أسماء النطاقات المألوفة مثل (.com, .edu, .gov) بدلاً من إجبار المستخدمين على حفظ عناوين رقمية معقدة.

​تأسيس البنية التحتية: ظهرت لغة برمجة المواقع (HTML)، والشبكة العنكبوتية العالمية (www)، ورمز البريد الإلكتروني (@).

​مع هذه القفزات، تحول المشروع من العباءة العسكرية إلى الفضاء التجاري، وتغير الاسم رسمياً إلى “الإنترنت”. ولربط القارات، بدأت السفن العملاقة بمد كيابل ضخمة تحت المحيطات (الأطلسي والهادي)، مستقرة في أعماق سحيقة تتجاوز 8000 متر (أعمق من ارتفاع قمة إيفرست)، لتنقل البيانات بسرعات فائقة إلى الشركات المحلية ومنها إلى البيوت.

​الانفجار الرقمي: واقع الإنترنت في عام 2026

​إذا نظرنا إلى الخريطة الزمنية لانتشار الإنترنت، نجد قفزات مذهلة:

​1993: بلدان محدودة جداً (باللون الأصفر) كانت تمتلك الخدمة.

​2010: تحولت الشبكة من 4 أجهزة إلى ملايين الحواسب.

​2026: يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت اليوم مليارات البشر، وتحول العالم إلى قرية رقمية صغيرة تعتمد بالكامل على السحابة والكيابل البحرية، وليس عبر الفضاء كما يظن البعض خطأً.

​حجم البيانات في الدقيقة الواحدة (مقارنة وتحديث):

​تضاعفت الأرقام المهولة التي سُجلت قبل سنوات (مثل إحصاءات 2019)، حيث تشهد الدقيقة الواحدة الآن في عام 2026 تبادل مئات الملايين من الرسائل عبر منصات المراسلة الفورية (كالواتساب)، وتدفق مليارات الدولارات في التجارة الإلكترونية حول العالم، ونمواً متسارعاً للأسواق الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

​الخلاصة والعبرة: عظمة البدايات الصغيرة

​البروفيسور فينت سيرف، الذي تجاوز الآن الثمانين من عمره (مواليد 1943)، ما زال يُعد أحد أكبر أعمدة علم الحاسوب في عصرنا الحالي.

​إن قصة الإنترنت تحمل في طياتها دروساً بالغة الأهمية:

​لا تحتقر البدايات الصغيرة: بدأت شبكة الإنترنت بحرفين تعثرت في طريقها (L و O)، ولم يكن مخترعوها يتخيلون أنها ستغير طريقة حياة البشرية وتدخل كل منزل.

​العلم النافع والأثر المستمر: إن السعي وراء العلم هو أساس نهضة الأمم، والآية الكريمة الأولى التي نزلت هي {اقْرَأْ}. وأي علم ينتفع به الناس يظل أجره مستمراً لصاحبه.

​الغاية أسمى من المال: لطالما أثبت التاريخ أن العمل الذي يهدف إلى الإصلاح، وتحسين جودة حياة البشر، ونفع الآخرين هو العمل الذي يكتب له النجاح والاستدامة، بينما العمل القائم على الجشع المالي وحده غالباً ما يندثر.

إرسال التعليق

ربما فاتك