محمد زرد.. لماذا لا تنتهي حكاية شهيد بعد 53 عامًا؟
تقرير خاص:

بقلم: شحاته زكريا
هناك أسماء يطويها الزمن وأسماء كلما مرّت عليها السنوات بدت أكثر حضورًا. ليست المسألة أن أصحابها عاشوا طويلا بل أنهم تركوا وراءهم ما يستحق أن تعيشه الأجيال من بعدهم. وفي قرية تفهنا العزب بمحافظة الغربية تبدو حكاية الشهيد المقدم محمد محمد زرد واحدة من تلك الحكايات التي لا تستقر في صفحات الماضي بل تعود إلى الحاضر كلما اجتمع الناس على اسمه وكلما سأل شاب عن الرجل الذي خرج من قريته إلى جبهة القتال ولم يعد.

مرت ثلاثة وخمسون عاما على حرب أكتوبر لكن اسم محمد زرد لم يصبح مجرد ذكرى سنوية. يعود هذا العام في مشهد يجمع بين ملعب يستعد لختام دورة تحمل اسمه وأمسية دينية تُقام وفاءً لروحه ولقاء في دار مناسبات عائلته يجدد صلة القرية بأحد أبنائها الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ الوطن. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى احتفالا تقليديا بذكرى شهيد لكنه يحمل سؤالا أكبر: ما الذي يجعل حكاية رجل تظل حية بعد أكثر من نصف قرن على رحيله؟ الإجابة ليست في الصور التي تُرفع ولا في الكلمات التي تُقال وحدها وإنما في الأثر الذي يتركه صاحب السيرة في نفوس من لم يروه ولم يسمعوا صوته ولم يعيشوا الزمن الذي صنع فيه بطولته.
من يعرف الشهيد اليوم؟ حين وقعت حرب أكتوبر عام 1973، لم يكن أبناء الأجيال الحالية قد وُلدوا بعد. تغيّرت الحياة، وتبدلت ملامح القرى، واتسعت المسافات بين زمن الحرب وزمن الهواتف الذكية ووسائل التواصل. ومع ذلك، ما زال اسم محمد زرد يعود إلى الواجهة في قريته، وما زالت سيرته تملك القدرة على جمع الناس حول معنى مشترك.
وهنا تكمن قيمة الذكرى الحقيقية أن تستطيع عبور المسافة بين جيل عاش الحدث وجيل لم يعرفه إلا من خلال الحكايات. فالتاريخ لا ينتقل تلقائيًا من الآباء إلى الأبناء، ولا تكفي عظمة الواقعة وحدها لضمان بقائها في الذاكرة. لا بد ممن يروي، وممن يوثق وممن يفتح باب السؤال أمام الصغار، حتى لا تتحول أسماء الأبطال إلى لافتات مألوفة لا يعرف أحد ما وراءها. ليس مطلوبا من كل طفل في تفهنا العزب أن يحفظ تفاصيل المعركة، لكن من حقه أن يعرف أن واحدًا من أبناء قريته شارك في معركة استرداد الأرض والكرامة، وأن وراء النصر من دفعوا من أعمارهم وأرواحهم ثمنًا لا يمكن اختصاره في احتفال عابر.
حين يصبح الملعب أكثر من ملعب في ختام دورة الشهيد محمد زرد لكرة القدم، تكتسب المنافسة معنى يتجاوز النتيجة والكأس. فالشباب الذين يلتقون في الملعب اليوم لم يعيشوا حرب أكتوبر، لكنهم يستطيعون أن يقتربوا من تاريخها من بوابة يعرفونها ويحبونها: الرياضة، وروح الفريق، والالتزام، واحترام المنافس والعمل من أجل هدف مشترك.
لا يعني ذلك أن البطولة الرياضية تشبه بطولة الميدان فلكل منهما طبيعتها وثمنها ومسؤوليتها، وإنما يعني أن اسم الشهيد يمكن أن يفتح مساحة للتواصل بين التاريخ والحياة. فالقرية التي تكرّم أحد أبطالها في ملعبها تمنح أبناءها فرصة كي يتعرفوا إلى صاحب الاسم، بدل أن يظل حاضرًا على لافتة لا تستوقفهم.
وبعد أجواء الدورة تأتي الأمسية الدينية التي تُذاع عبر إذاعة القرآن الكريم، ثم يستكمل اللقاء في دار مناسبات عائلة زرد. تتعدد صور الاحتفاء، لكن المعنى الأهم يظل واحدًا: أن الذاكرة الوطنية ليست حكرًا على الكتب والمتاحف، بل تعيش أيضًا في البيوت والميادين ومناسبات الناس.
من الاحتفال إلى مسؤولية الذاكرة ومع ذلك يبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب بعد انفضاض الحضور وانتهاء الأمسية: ماذا سيبقى من هذه المناسبة في اليوم التالي؟ هنا يبدأ العمل الحقيقي. أن تُجمع المعلومات الموثقة عن حياة الشهيد وبطولته، وأن تُحفظ صوره ووثائقه وشهادات من عرفوه، وأن تصل سيرته إلى مدارس القرية وشبابها. وأن تصبح المناسبة فرصة لتصحيح المعلومات، واستكمال ما ينقص من تفاصيل التاريخ، وتقديم حكاية البطل للأجيال بأسلوب قريب منهم، بعيدًا عن المبالغة التي تضعف الرواية بدل أن تخدمها. فالأبطال لا يحتاجون إلى أن نضيف إلى سيرتهم ما لم يحدث؛ الحقيقة الموثقة وحدها كافية لأن تمنحهم مكانتهم. وكلما كانت الحكاية دقيقة، أمكنها أن تعيش طويلًا وأن تنتقل بثقة من جيل إلى آخر.
وتفهنا العزب وهي تستعيد ذكرى أحد أبنائها تستطيع أن تجعل من الوفاء مشروعًا مستمرًا، لا مناسبة تنتهي بانتهاء برنامجها. مشروعا يربط اسم الشهيد بمعرفة الأجيال، ويجعل الاحتفاء به بداية للتوثيق والتعليم، لا نهاية لواجب الذاكرة.
الحكاية التي تنتصر على الزمن ربما لا يستطيع أبناء اليوم أن يستعيدوا اللحظة التي غادر فيها محمد زرد قريته إلى ميدان القتال ولا أن يدركوا تماما ما عاشه جنود أكتوبر في ساعات المواجهة. لكنهم يستطيعون أن يفهموا معنى أن يترك إنسان حياته دفاعًا عن وطنه، وأن يدركوا أن ما نتمتع به من أرض وكرامة لم يكن أمرًا مجانيًا، بل وراءه تضحيات تستحق أن تُروى بأمانة بعد ثلاثة وخمسين عاما لا تعود حكاية محمد زرد لأن الزمن توقف عندها، بل لأن واجبنا تجاهها لم ينتهِ. يعود اسمه في دورة رياضية، وفي أمسية دينية، وفي لقاء عائلي، والأمل أن يعود أيضًا في درس يتعلمه طفل، وفي وثيقة تحفظها القرية، وفي شاب يعرف أن التاريخ ليس بعيدًا عنه كما يتصور فالشهيد قد يرحل عن بيته لكن بقاءه في ذاكرة الناس مسؤولية الأحياء. وإذا كانت البطولة قد كُتبت يومًا في ميدان المعركة، فإن استمرارها في وجدان الأجيال يُكتب كل يوم، بقدر ما نحسن الحفظ والرواية ونمنح الحقيقة مكانها.
محمد زرد ليس مجرد اسم تستعيده تفهنا العزب كل عام إنه سؤال تطرحه على نفسها وعلى أبنائها: هل نكتفي بأن نتذكر أبطالنا أم نضمن أن يعرفهم من سيأتون بعدنا؟
ذلك هو الفارق بين ذكرى تمرّ وحكاية تنتصر على الزمن.
للمزيد من الأخبار زوروا المحور.



إرسال التعليق