×

انفراد : رواية عالم من غير نسوان الفصل الثاني

احدث الاخبار

انفراد : رواية عالم من غير نسوان الفصل الثاني

الكاتب : أحمد عزب

الفصل الثاني

مدينةٌ بلا أصوات

1784474171019-ap9bce.png?token=eyJraWQiOiJzdG9yYWdlLXVybC1zaWduaW5nLWtleV80ODdmNjJkYy04ZWQ2LTQ3NWItOGQ2YS1jODJmYjg0NTY2MjIiLCJhbGciOiJIUzI1NiJ9.eyJ1cmwiOiJhcnRpY2xlLWltYWdlcy85YzNjZTA0MC1iYTZlLTRjNTgtYmNkZi1iZjI1ZWZlYzg1OWQvMTc4NDQ3NDE3MTAxOS1hcDliY2UucG5nIiwic2NvcGUiOiJkb3dubG9hZCIsImlhdCI6MTc4NDQ3NDE3NiwiZXhwIjoxODE2MDEwMTc2fQ انفراد : رواية عالم من غير نسوان الفصل الثاني

ظلّ يوسف واقفًا أمام شاشة التلفاز حتى عادت الصورة إلى طبيعتها.

المذيع لم يكن موجودًا.

حلّ مكانه شريط أزرق يمرّ أسفل الشاشة، تعلوه خريطة مصر، وعبارة ثابتة كُتبت بحروف بيضاء:

يرجى التزام المنازل حتى صدور تعليمات رسمية.

بدت الجملة سخيفة إلى حدّ الاستفزاز.

كيف يلتزم الناس منازلهم، بينما نصف من كانوا يسكنونها قد اختفى؟

حدّق يوسف في هاتف مريم.

لا تبحث عنها هنا.

قرأ الرسالة بصمت، ثم ضغط على الرقم المجهول. انتظر الرنين، لكنه لم يسمع سوى صوت آلي بارد:

— الرقم الذي طلبته غير موجود بالخدمة.

أغلق الاتصال، وأعاده.

النتيجة نفسها.

دخل إلى تفاصيل المحادثة. لم تكن هناك صورة. لا اسم. لا وقت لظهور الحساب. حتى الرقم نفسه لم يظهر كاملًا؛ مجرد سلسلة أرقام تبدأ بمفتاح دولي غير مألوف، وتنتهي بثلاثة أصفار.

ضغط على نسخ الرقم.

ظهر له تنبيه:

تعذر نسخ المحتوى.

رفع رأسه ببطء نحو التلفاز.

كان المذيع قد عاد. جلس مستقيمًا أكثر من اللازم، لكن ذراعه اليمنى ارتجفت كلما قلب ورقة. خلفه ظهر رجلان يرتديان بدلتين، يتحدثان إلى موظف في الاستوديو. جميعهم رجال.

قال المذيع:

— نكرر مناشدة المواطنين عدم الانسياق وراء الشائعات. الأجهزة المعنية تعمل على مدار الساعة للوصول إلى تفسير علمي لما حدث.

سمع يوسف ضحكة قصيرة خرجت منه دون قصد.

لم تكن ضحكة حقيقية. كانت أقرب إلى شهقة يابسة.

تفسير علمي.

كانت أمه قد اختفت من شقتها، وتركت قهوتها ساخنة. مريم تركت اللبن يحترق على النار. ليلى ظهرت في تشويش تلفزيوني وسط ضوء بنفسجي. وهناك شخص ما يرسل رسائل إلى هاتف امرأة غير موجودة، من رقم لا يمكن نسخه.

جلس على الأريكة.

شعر فجأة بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله.

من الشارع ارتفعت أصوات أبواق متشابكة. ثم جاء صراخ بعيد، تبعته أصوات رجال يجرون أسفل العمارة.

نهض واتجه إلى الشرفة.

في الميدان الصغير أمام المبنى، وقف عشرات الرجال في مجموعات مبعثرة. بعضهم يحمل هواتفه عاليًا، وبعضهم يصرخ بأسماء نساء لا يجيبن. رجل شاب كان يسحب طفلين من أيديهما، وهما يبكيان ويحاولان العودة إلى اتجاه آخر. سائق حافلة صغيرة فتح الأبواب، ونزل منها سبعة أطفال ذكور، بينما ظل مقعدان في الخلف يحملان حقيبتين ورديتين.

على الرصيف المقابل جلس رجل مسن، يحتضن جلبابًا نسائيًا أسود.

كان يهزه كما لو كان يهدهد جسدًا غير موجود.

عاد يوسف إلى الداخل.

فتح هاتفه واتصل بعماد.

ردّ الرجل سريعًا:

— أيوه.

— شفت الرسالة اللي بعتها لك؟

— رسالة إيه؟

تردد يوسف.

كان قد ظن أنه أرسل له صورة الشاشة، لكنه لم يفعل. أدرك أن عقله بدأ يخلط بين ما فعله وما فكر فيه.

قال:

— مفيش. إنت فين؟

— تحت العمارة. الناس متجمعة. فيه واحد بيقول إن فيه ست ظهرت في شبرا، وناس بتقول إن البنات اتنقلوا في عربيات إسعاف.

— متصدقش حاجة.

— طب نعمل إيه يا يوسف؟

نظر يوسف نحو باب شقة أمه المفتوح.

قال:

— اقفل شقتك وخلي كريم جنبك. أنا راجع.

— وأمك؟

أغمض يوسف عينيه.

— مش موجودة.

ساد الصمت.

ثم قال عماد بصوت خفيض:

— ربنا يرجعهم.

لم يستطع يوسف الرد.

أنهى المكالمة، ثم عاد إلى غرفة أمه. فتح الدولاب، لا لسبب واضح. كانت ملابسها مرتبة، ورائحة مسحوق الغسيل والياسمين عالقة في الداخل. مد يده ولمس طرف عباءة رمادية كانت ترتديها في الزيارات العائلية.

فوق الرف العلوي، وجد حقيبة قماش صغيرة.

كان يعرفها. تحتفظ فيها أمه بالأوراق التي تخشى ضياعها: شهادات الميلاد، عقد الشقة، صور قديمة، وإيصالات لا قيمة لها لكنها ترفض التخلص منها.

أخرجها ووضعها فوق السرير.

بين الأوراق وجد صورة عائلية التقطت قبل ثلاث سنوات. جلس والده الراحل في المنتصف رغم أنه كان قد مات قبل الصورة بسنوات.

توقف يوسف.

قلب الصورة.

لم يكن والده موجودًا بالطبع. كان ذلك أثرًا بصريًا صنعه عقله المرهق؛ في الحقيقة، كان كرسيه القديم هو الذي يقف في المنتصف، وكانت أمه تضع يدها على ظهره.

أعاد الصورة بسرعة.

بدأ يشعر بأن الجدران تضيق.

خرج من الشقة وأغلق الباب، ثم ظل واقفًا أمامه للحظات. مد يده إلى جيبه، فوجد مفتاح أمه القديم. كان قد أعطته إياه بعد وفاة والده وقالت له:

«البيت بيتك، حتى لو فضي.»

يومها ضحك.

اليوم لم يكن البيت فارغًا.

كان ممتلئًا بغيابها.

هبط السلالم مسرعًا.

في الطابق الثاني فتح رجل باب شقته وصاح:

— يا أستاذ! معاك عربية؟

— لا.

— ابني عنده سنة، وأمه اختفت. أنا مش عارف أعمل له الرضعة.

خلف الرجل، كان طفل رضيع يصرخ داخل سرير صغير.

توقف يوسف.

الرجل في أواخر العشرينيات، يرتدي قميصًا أبيض غير مغلق جيدًا، وعلى كتفه بقعة لبن جاف. كان يمسك عبوة مسحوق أطفال في يد، وزجاجة رضاعة في الأخرى.

— المياه تتغلي قد إيه؟ سأل الرجل.

فتح يوسف فمه، ثم أغلقه.

لم يعرف.

قال الرجل بعصبية:

— هي كانت بتعملها. أنا عمري ما عملتها.

خرج رجل آخر من الشقة المجاورة، يحمل هاتفًا.

— فيه فيديو على النت بيشرح. هاته وأنا أعملهالك.

نظر الأب إلى الاثنين كمن تلقّى طوق نجاة.

واصل يوسف هبوطه، لكنه شعر بثقل جديد على صدره.

لم تكن الكارثة مجرد اختفاء مريم وليلى وأمه.

كانت آلاف التفاصيل التي لا يعرف الرجال كيف يقومون بها لأنهم لم يضطروا يومًا إلى تعلّمها. أدوية أطفال، جرعات، رضاعة، مواعيد مدرسة، مفاتيح خزائن، حسابات بيت، كلمات مرور، أطعمة لا يعرف أحد كيف تُطهى، وآباء اكتشفوا فجأة أنهم لا يعرفون مقاس أحذية أبنائهم.

في مدخل العمارة وجد ثلاثة رجال يحملون شابًا مصابًا في رأسه.

قال أحدهم:

— المستشفى مش مستقبلة! بيقولوا الطاقم ناقص!

اقترب يوسف.

— اتصاب إزاي؟

— عربية خبطته. السواق اختفت مراته وهو سايق، لف يبص عليها.

كان الدم يغطي جانب وجه المصاب.

أشار يوسف إلى شقة البواب:

— حطوه جوا لحد ما تيجي إسعاف.

ضحك الرجل بمرارة:

— إسعاف إيه؟ اتصلنا خمس مرات.

خرج يوسف إلى الشارع.

كانت الشمس قد ارتفعت، لكن المدينة بدت كأنها ما تزال عالقة في الفجر. أبواب المحال نصف مفتوحة، السيارات متوقفة بزوايا عشوائية، والأرصفة ممتلئة برجال لا يعرفون إلى أين يذهبون.

مرّت سيارة شرطة ببطء، ومكبر الصوت يكرر:

— يرجى من المواطنين العودة إلى منازلهم. يمنع التجمع. يرجى الحفاظ على الهدوء.

صاح رجل من الرصيف:

— رجعوا لنا أهلنا الأول!

ردّ آخر:

— هما مخبينهم!

وخلال ثوانٍ، تحولت الكلمات إلى هتافات متقطعة. اقترب رجال من سيارة الشرطة، فضغط السائق على السرعة وانطلق. تطايرت خلفها زجاجة بلاستيكية فارغة.

أخرج يوسف هاتفه، وفتح تطبيق الخرائط. الطرق إلى مدينة نصر كانت كلها حمراء.

بحث عن مريم في تطبيق الموقع المشترك.

كان آخر موقع مسجل لهاتفها داخل شقتهما.

فتح موقع ليلى.

لا إشارة.

ضغط مرة أخرى.

ظهر خطأ:

هذا الجهاز غير متصل منذ 06:41 صباحًا.

توقف.

الساعة 06:41.

نظر إلى هاتف مريم. آخر مكالمة كانت 05:57. استيقظ هو في 06:38. وظهرت الرسالة الجديدة بعد التشويش بقليل.

دخل إلى سجل النظام، محاولًا معرفة توقيت اختفاء الإشارة من هاتف مريم.

كانت آخر حركة شبكة عند 06:41 و03 ثوانٍ.

ثلاث ثوانٍ.

الشاشة.

التشويش.

بدأت أنفاسه تتسارع.

رنّ هاتفه.

ظهر اسم حسام الشركة.

ردّ.

— أيوه يا حسام.

جاءه صوت رجل يلهث:

— إنت فين؟

— عند والدتي.

— تعالى السنترال فورًا.

— إيه اللي حصل؟

— كل الشبكات بتقع واحدة ورا التانية. فيه ضغط رهيب، وأنظمة كاملة خرجت من الخدمة.

— أنا مش جاي الشغل دلوقتي.

— يوسف، المدير نفسه مش موجود.

— اختفى؟

— لا، مراته وبناته اختفوا، وهو قفل على نفسه في المكتب. مفيش حد فاهم حاجة. وإنت الوحيد اللي اشتغل قبل كده على بوابات الإرسال القديمة.

سكت يوسف.

قال حسام:

— وفي حاجة تانية.

— إيه؟

— عند الساعة ستة واحد وأربعين، كل الأبراج سجلت نبضة واحدة.

شعر يوسف ببرودة في أطرافه.

— نبضة إيه؟

— إشارة دخلت على كل الترددات في نفس اللحظة. راديو، موبايل، بث أرضي، أقمار صناعية… كل حاجة.

— مدتها؟

جاء الصمت قصيرًا، لكنه كان كافيًا.

ثم قال حسام:

— ثلاث ثوانٍ.

رفع يوسف عينيه إلى واجهة متجر إلكترونيات.

عشرات الشاشات في الداخل تعرض القناة الإخبارية نفسها. المذيع يتحدث، والشريط الأحمر يتحرك أسفل الصورة. خلف الزجاج وقف عدد من الرجال يتابعونه في صمت.

قال يوسف:

— ابعت لي تسجيل الإشارة.

— الملفات اتحذفت.

— اتحذفت إزاي؟

— مش عارف. النظام بيقول إن مفيش تسجيل أصلًا.

— وإنت شفتها؟

— أنا كنت قدام الشاشة.

— شكلها إيه؟

خفض حسام صوته:

— مش شكل إشارة.

— أمال إيه؟

— كانت شبه… صوت.

— الصوت له شكل يا حسام.

— عارف.

تردد الرجل، ثم قال:

— بس الإشارة دي لما حولناها لموجة مسموعة، كان فيها حاجة بتتكلم.

لم يشعر يوسف بالشارع من حوله.

— بتقول إيه؟

— مش واضح. أنا سجلت جزء على الموبايل قبل ما الملف يختفي.

— ابعته.

— هبعته لك، بس تعالى. فيه ناس من جهة سيادية وصلوا، وبيسألوا مين شاف النبضة.

انقطع الخط.

بعد لحظات وصل ملف صوتي مدته ثلاث ثوانٍ.

ارتدى يوسف سماعة واحدة كانت في جيبه، ورفع الصوت.

في البداية سمع زنة حادة، ثم فرقعة كهربائية.

وفي آخر نصف ثانية، خرج صوت بعيد، متداخل، كأنه عشرات الأصوات تتكلم تحت الماء.

أعاد التسجيل.

مرة ثانية.

ثم ثالثة.

رفع مستوى الصوت إلى الحد الأقصى.

وسط الضجيج، تميّز صوت طفلة.

قالت كلمة واحدة:

— بابا.

سحب يوسف السماعة من أذنه.

تراجع خطوة واصطدم برجل خلفه.

— حاسب يا أستاذ!

لم يعتذر.

أعاد تشغيل المقطع، لكن الملف توقف قبل النهاية. ظهر إشعار:

هذا الملف تالف.

حاول فتحه مرة أخرى.

اختفى من الهاتف.

ظل يحدق في الشاشة، ثم اتصل بحسام.

الهاتف مغلق.

اتصل ثانية.

مغلق.

أعاد الثالثة.

جاءه صوت آلي:

— الرقم غير موجود بالخدمة.

رفع يوسف رأسه.

على شاشات متجر الإلكترونيات، تغير المشهد. ظهر مؤتمر صحفي مرتجل داخل قاعة حكومية. وقف مسؤول يرتدي بدلة داكنة، وإلى جواره ضباط وأطباء وعلماء، جميعهم رجال.

قال المسؤول:

— لا توجد حتى الآن أدلة على وقوع عمل إرهابي أو هجوم عسكري. ندعو المواطنين إلى عدم تداول أي تسجيلات أو معلومات غير صادرة عن الجهات الرسمية.

أحد الصحفيين صاح من الخلف:

— هل صحيح إن فيه حالات نجت من الاختفاء؟

اضطربت الوجوه.

تبادل المسؤول نظرة سريعة مع ضابط يقف إلى يمينه.

ثم قال:

— لا توجد أي حالة مؤكدة.

صاح الصحفي:

— مستشفى شبرا أعلن عن وجود سيدة!

أمسك رجال الأمن به وأبعدوه.

اهتزت الصورة قليلًا، ثم انقطع البث.

قال رجل يقف بجوار يوسف:

— هما عارفين.

ردّ آخر:

— الحكومة خطفتهم.

— حكومة إيه اللي تخطف نسوان العالم كله؟

— إنت مصدق إن العالم كله حصل فيه كده؟

أخرج ثالث هاتفه وصاح:

— أهو! بث من لندن. مفيش ستات برضه.

تجمع الرجال حول الهاتف.

ظهر شارع أوروبي واسع، سيارات مصطدمة، ورجال شرطة يحاولون إبعاد الناس عن محطة قطار. صاحب التصوير يتحدث بالإنجليزية، ثم يدير الكاميرا نحو لوحة إعلانات ضخمة.

كانت تعرض صورًا لنساء مفقودات.

مئات الوجوه.

قال أحد الرجال:

— يا ساتر.

تحرك يوسف بعيدًا.

كان يريد العودة إلى شقته، لكنه تذكر حسام والنبضة. تذكر أن رجالًا من جهة سيادية يبحثون عمن شاهدها. وتذكر رسالة الهاتف:

لا تبحث عنها هنا.

هل كانت تحذيرًا؟

أم سخرية؟

مرّت بجانبه دراجة نارية يقودها شاب، وخلفه رجل يحمل أكياس حفاضات وعلب لبن أطفال. من بعيد ظهر طابور طويل أمام متجر كبير. الرجال يتدافعون على المياه والأرز والمعلبات.

لم تمر سوى ساعات قليلة.

ومع ذلك، بدأ الخوف يأكل المدينة من أطرافها.

قرر العودة إلى مدينة نصر سيرًا حتى يجد وسيلة مواصلات. قطع شارعًا جانبيًا، فوجد مسجدًا مفتوحًا. في الداخل، تجمع رجال كثيرون، بعضهم يصلي، وبعضهم يبكي، وبعضهم يصرخ في وجه الإمام.

قال رجل غاضب:

— قول لنا ده عقاب ليه!

ردّ الشيخ بصوت ثابت:

— أنا ما عنديش حق أتكلم باسم ربنا في حاجة ما أعرفهاش.

— أمال إنت شيخ ليه؟

اقترب رجل آخر من الغاضب وأمسك بذراعه.

قال الإمام:

— إحنا في مصيبة. وأول واجب علينا نحمي الأطفال والمرضى ونمنع الفوضى. اللي عنده رضيع، يجيبه. اللي يعرف طبخ، إسعافات، تمريض، يكتب اسمه.

توقف يوسف عند الباب.

كان الإمام ممتلئ الجسد، لحيته رمادية، وصوته هادئ رغم الصخب.

قال أحد الرجال:

— والستات؟

تغير وجه الشيخ للحظة.

ثم أجاب:

— ندور عليهم بعقلنا، مش بجنوننا.

تلاقت عيناه بعيني يوسف.

ظل ينظر إليه ثانيتين، ثم شحب وجهه قليلًا.

تقدم خطوة.

— إنت اسمك إيه؟

تلفت يوسف خلفه، ظن أنه يخاطب شخصًا آخر.

— يوسف.

قال الشيخ:

— يوسف إيه؟

— يوسف شريف.

أمسك الشيخ بطرف المنضدة أمامه.

— بتشتغل في الاتصالات؟

تجمد يوسف.

— حضرتك تعرفني؟

اقترب الشيخ منه ببطء.

كان الحاضرون يتجادلون من حولهما، لكن يوسف لم يعد يسمعهم.

قال الشيخ:

— أنا ما أعرفكش.

— أمال عرفت شغلي منين؟

أخرج الشيخ من جيبه ورقة مطوية، فتحها بيد مرتجفة، ثم ناولها إليه.

كانت الورقة صغيرة، قديمة، كأنها كُتبت منذ أيام ثم طُويت مرات كثيرة.

قرأ يوسف السطر الوحيد المكتوب عليها:

عندما تختفي أصواتنا، سلّم الصندوق إلى يوسف شريف، مهندس الاتصالات.

رفع عينيه.

— مين كتب ده؟

قال الشيخ:

— ست جات لي من أسبوع.

— اسمها إيه؟

— ما قالتش.

— شكلها؟

— كانت لابسة نضارة سودا، وغطت شعرها كويس. ما شفتش وشها كامل.

— والصندوق فين؟

نظر الشيخ إلى الرجال حوله، ثم خفض صوته:

— مش هنا.

— عايز أشوفه.

— مش دلوقتي.

أمسك يوسف بذراعه.

— بنتي ظهرت على التلفزيون.

صمت الشيخ.

— ومراتي كانت عارفة إن حاجة هتحصل. وعندي رسالة بتقول لي ما أدورش عليها هنا. والصندوق ده باسمي، فمتقوليش مش دلوقتي.

اقترب رجلان حين لاحظا التوتر.

رفع الشيخ كفه إليهما، فتوقفا.

قال ليوسف:

— الست دي قالت لي ما أفتحوش إلا لما يحصل شيء مستحيل.

— حصل.

— وقالت كمان إن الرجل اللي هيطلبه هيكون مراقَب.

نظر يوسف نحو باب المسجد.

في الخارج، كانت سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع. زجاجها داكن، ومحركها يعمل.

لم يكن قد لاحظها من قبل.

قال الشيخ:

— ما تبصش كتير.

أعاد يوسف عينيه إليه.

— دول مين؟

— معرفش.

— من إمتى واقفين؟

— من بعد ما دخلت بدقيقة.

شعر يوسف بأن نبضه ينتقل إلى حلقه.

قال الشيخ:

— اخرج من الباب الخلفي. روح على البيت. وأنا هوصل لك.

— إزاي؟

— المكتوب على الورقة فيه عنوانك.

— إنت ما تعرفش مين الست، بس هتثق فيها؟

ارتجف فك الشيخ.

— ما وثقتش فيها.

— أمال؟

رفع عينيه إلى يوسف.

— لأنها قالت لي حاجة ما كانش يعرفها غير بناتي.

قبل أن يسأله يوسف، دخل شاب إلى المسجد وهو يلهث:

— يا شيخ عمران! فيه ناس بيسألوا على واحد اسمه يوسف!

تغيرت الوجوه.

قال الشيخ بسرعة:

— اطلع من ورا.

لكن باب المسجد الرئيسي انفتح.

دخل أربعة رجال بملابس مدنية، يتقدمهم رجل طويل يرتدي بدلة رمادية. كانت حركتهم هادئة أكثر من اللازم، وعيونهم تمسح الوجوه بلا ارتباك.

رفع الرجل الطويل بطاقة بسرعة لم يتمكن أحد من قراءتها.

قال:

— محدش يتحرك. إحنا بندور على مهندس اسمه يوسف شريف.

أمسك الشيخ بكتف يوسف ودفعه نحو ممر جانبي.

— امشي.

ركض يوسف.

دخل بابًا ضيقًا يؤدي إلى غرفة الوضوء، ثم عبر إلى فناء صغير خلف المسجد. سمع أصوات اعتراض، ثم صوت الرجل ذي البدلة يقول:

— إحنا مش جايين نؤذي حد.

قفز يوسف فوق حاجز منخفض، وهبط في زقاق ضيق.

لسعت قدميه آلام الجرح القديم، لكنه واصل الركض.

أخرج هاتفه وحاول الاتصال بعماد، فظهر له إشعار جديد.

لم يكن من الرقم المجهول.

كان من هاتف حسام.

فتح الرسالة.

ما تجيش السنترال. هما أخدوا كل اللي شاف الإشارة.

ثم وصلت رسالة ثانية:

النبضة ما جتش من السما.

تباطأت خطوات يوسف.

ظهرت النقاط الثلاث التي تشير إلى أن حسام يكتب.

انتظر.

رسالة ثالثة:

مصدرها كان تحت القاهرة.

ثم اختفت المحادثة كلها.

ليس الرسائل فقط.

اختفى اسم حسام من سجل الهاتف، ومن جهات الاتصال، ومن سجل المكالمات، كأنه لم يوجد يومًا.

توقف يوسف في منتصف الزقاق.

خلفه، دوّى صوت باب معدني يُفتح بعنف.

ركض مرة أخرى، حتى وصل إلى شارع مزدحم، وذاب بين الرجال.


استغرق وصوله إلى مدينة نصر قرابة ساعتين.

ركب سيارة نقل صغيرة مع ستة رجال، ثم مشى مسافة طويلة حين أُغلق الطريق. طوال الرحلة، كان يسمع القصص نفسها بصيغ مختلفة.

امرأة اختفت من غرفة عمليات، والمريض ظل مفتوح البطن.

عروس اختفت قبل زفافها بساعات.

فتاة صغيرة اختفت من بين ذراعي أبيها.

مذيعة تلاشت على الهواء، لكن الكاميرا سجلت ثلاث ثوانٍ من التشويش.

طائرة هبطت اضطراريًا بعد اختفاء إحدى قائدتيها.

سجن نسائي كامل أصبح فارغًا، بينما بقيت الأبواب مغلقة.

ومع كل قصة، كان الرجال يضيفون شيئًا من عندهم. أضواء في السماء. أصوات تحت الأرض. سيارات مجهولة. نبوءات. مؤامرات. عقاب. تجربة عسكرية.

حين وصل إلى شارعه، كانت الشمس تميل قليلًا نحو الغرب.

لم يمض يوم كامل بعد، لكن الوجوه بدت كما لو أنها عاشت أسبوعًا.

وجد عماد وكريم أمام العمارة. كانا يساعدان في توزيع زجاجات الماء على السكان.

اقترب منه عماد.

— كنت فين؟ تليفونك كان مقفول.

— كان شغال.

— اتصلت عليك عشرين مرة.

أخرج يوسف الهاتف.

لا توجد مكالمات فائتة.

قال عماد:

— رجلك بتنزف.

نظر يوسف إلى قدمه، كأنه يراها لأول مرة.

— فين مريم؟

نظر إليه عماد بحزن.

— لسه.

صعد يوسف إلى شقته.

كان الباب كما تركه. دخل بحذر، وأغلقه خلفه بالمفتاح.

رائحة اللبن المحترق ما تزال في المطبخ.

ذهب مباشرة إلى غرفة ليلى، وأخرج دفتر الرسم من الحقيبة. جلس على سريرها، وبدأ يقلب الصفحات.

شمس كبيرة.

قطة زرقاء.

مريم ترتدي بالطوًا أبيض.

يوسف بوجه مربع وهاتف في يده.

عند الصفحة الأخيرة، وجد الرسم الذي لم يره من قبل.

بيتهم مرسوم من الخارج، باللون الرمادي. في إحدى النوافذ، وقف يوسف وحده. خلف البيت رسمت ليلى بابًا أسود طويلًا، تقف أمامه ثلاث شخصيات نسائية: طفلة، وامرأة، وسيدة مسنة.

ليلى ومريم وأمه.

أسفل الرسم، كتبت بخط متعرج:

بابا لسه مش هييجي.

قلب الصفحة.

كانت بيضاء.

رفع الدفتر نحو الضوء.

ظهر أثر ضغط قلم في الورقة، كأن ليلى كتبت شيئًا ثم نزعت الصفحة السابقة.

أخذ قلمًا رصاصيًا من مكتبها، ومرره بخفة على سطح الورقة.

بدأت الكلمات المطموسة تظهر.

الراجل اللي واقف تحت البيت وحش.

توقف يوسف.

اقترب من النافذة، وأزاح الستارة بمقدار إصبعين.

في الشارع، أسفل العمارة مباشرة، وقفت السيارة السوداء ذات الزجاج الداكن.

السيارة نفسها التي كانت أمام المسجد.

اهتز هاتف مريم فوق المكتب.

وصلت صورة من الرقم المجهول.

فتحها.

كانت صورة ليوسف من خلف نافذة شقة أمه، يقف أمام التلفاز في اللحظة التي ظهرت فيها ليلى داخل التشويش.

التقطت الصورة من داخل الغرفة.

خلفه مباشرة.

كبّرها.

في انعكاس شاشة التلفاز، ظهرت هيئة امرأة تقف عند باب الصالة.

كانت ترتدي بالطوًا أبيض.

وفي يدها مشبك شعر أصفر.

إرسال التعليق

ربما فاتك